تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
وَخَشِيَ الْعَنَتَ بِتَرْكِهِ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَجِّ الْوَاجِبِ ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ قَدَّمَ الْحَجَّ وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ كَانَتْ الْعِبَادَاتُ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَالْعِلْمِ وَالْجِهَادِ قُدِّمَتْ عَلَى النِّكَاحِ إنْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ . قُلْت : وَمَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ظَاهِرٌ إنْ قُلْنَا : إنَّ النِّكَاحَ سُنَّةٌ وَأَمَّا إنْ قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ كَمَا قَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَابْنُ الْمُنَى فِي تَعْلِيقِهِمَا فَقَدْ تَعَارَضَ مَعَ فَرْضِ كِفَايَةٍ فَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ النِّكَاحَ وَاجِبٌ قَدَّمَهُ لِأَنَّ فُرُوضَ الْأَعْيَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُبَاحُ التَّصْرِيحُ وَالتَّعْرِيضُ مِنْ صَاحِبِ الْعِدَّةِ فِيهَا إنْ كَانَا مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ التَّزْوِيجُ بِهَا فِي الْعِدَّةِ كَالْمُخْتَلِعَةِ فَأَمَّا إنْ كَانَا مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَالْمَزْنِيِّ بِهَا وَالْمَوْطُوءَةِ شُبْهَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَالْمُعْتَدَّةُ بِاسْتِبْرَاءٍ كَأُمِّ الْوَلَدِ أَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا أَوْ أَعْتَقَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي حُكْمِ الْأَجْنَبِيَّةِ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثاً وَالْمُنْفَسِخِ نِكَاحُهَا بِرَضَاعٍ أَوْ لِعَانٍ فَيَجُوزُ التَّعْرِيضُ دُونَ التَّصْرِيحِ ، وَالتَّعْرِيضُ أَنْوَاعٌ تَارَةً يَذْكُرُ صِفَاتِ نَفْسِهِ مِثْلُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَتَارَةً يَذْكُرُ لَهَا صِفَاتِ نَفْسِهَا ، وَتَارَةً يَذْكُرُهَا طَلَباً لَا يُعَيِّنُهُ : كَرُبَّ رَاغِبٍ فِيك ، وَطَالِبٍ لَك ، وَتَارَةً يَذْكُرُ أَنَّهُ طَالِبٌ لِلنِّكَاحِ وَلَا يُعَيِّنُهَا ، وَتَارَةً يَطْلُبُ مِنْهَا مَا يَحْتَمِلُ النِّكَاحَ ، وَغَيْرَهُ كَقَوْلِهِ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ وَلَوْ خَطَبَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا الرَّجُلَ ابْتِدَاءً فَأَجَابَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْعَلَ لِرَجُلٍ آخَرَ خِطْبَتَهَا إلَّا أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَاطِبَ وَكَذَا لَوْ خَطَبَتْهُ أَوْ وَلِيُّهَا بَعْدَ أَنْ خَطَبَ هُوَ امْرَأَةً فَالْأَوَّلُ أَبْدَى لِلْخَاطِبِ وَالثَّانِي أَبْدَى لِلْمَخْطُوبِ . وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ قَبْلَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَمَنْ خَطَبَ تَعْرِيضاً فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْ الْخِطْبَةِ وَلَوْ أَذِنَتْ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ احْتَمَلَ أَنْ يَحْرُمَ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا كَمَا لَوْ خُطِبَتْ فَأَجَابَتْ وَاحْتُمِلَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْطُبْهَا أَحَدٌ ، كَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّ سُكُوتَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ لَيْسَ بِإِجَابَةٍ بِحَالٍ . فَصْلٌ وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ نِكَاحاً بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ وَفِعْلٍ كَانَ وَمِثْلُهُ كُلُّ عَقْدٍ وَالشَّرْطُ بَيْنَ النَّاسِ مَا عَدُّوهُ شَرْطاً .