تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
الْهَرَوِيِّ الْمُلَقَّبِ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَقَالُوا لَيْسَ هَذَا هُوَ الْحُلُولُ الْمَحْذُورُ الَّذِي نَفَيْنَاهُ ، بَلْ نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّحِيفَةِ . وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ اللَّهَ فِي الصَّحِيفَةِ أَوْ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ ، كَذَلِكَ نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ كَلَامَهُ حَالٌّ فِي ذَلِكَ دُونَ حُلُولِ ذَاتِهِ ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ كَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ قَالُوا لَا نُطْلِقُ الْحُلُولَ نَفْياً وَلَا إثْبَاتاً . لِأَنَّ إثْبَاتَ ذَلِكَ يُوهِمُ انْتِقَالَ صِفَةِ الرَّبِّ إلَى الْمَخْلُوقَاتِ . وَنَفْيَ ذَلِكَ يُوهِمُ نَفْيَ نُزُولِ الْقُرْآنِ إلَى الْخَلْقِ . فَنُطْلِقُ مَا أَطْلَقَتْهُ النُّصُوصُ . وَنُمْسِكُ عَمَّا فِي إطْلَاقِهِ مَحْذُورٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِجْمَالِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : إنْ قُلْتُمْ بِالْحُلُولِ قُلْتُمْ بِمَقَالَتِنَا . فَجَوَابُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقَالَةَ الْمُنْكَرَةَ هُنَا تَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ فَإِذَا زَالَتْ لَمْ يَبْقَ مُنْكَراً . أَحَدُهَا : مَنْ يَقُولُ إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ . وَإِنَّمَا أَحْدَثَهُ غَيْرُ اللَّهِ كَجِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ . وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ . الثَّانِي : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ إلَّا مَعْنًى وَاحِداً . هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ ، وَإِنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ لَا بِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي . فَيُجْعَلُ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَاحِداً . وَكَذَلِكَ مَعْنَى آيَةِ الدِّينِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ . كَمَنْ يَقُولُ إنَّ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى مَعْنًى وَاحِدٌ فَمَعْنَى الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالرَّحِيمِ وَالْحَلِيمِ مَعْنًى وَاحِدٌ . فَهَذَا اتِّحَادٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَآيَاتِهِ . الثَّالِثُ : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ مَا بَلَّغَهُ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ مِنْ الْمَعْنَى وَالْأَلْفَاظِ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ . بَلْ كَلَامُ التَّالِينَ لَا كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ بِأَيِّ عِبَارَةٍ عَبَّرَ عَنْهَا . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ . نَقَلَهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ تَارَةً يُسْمَعُ مِنْ اللَّهِ . وَتَارَةً مِنْ رُسُلِهِ . وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَيْثُ تَصَرَّفَ وَكَلَامُ اللَّهِ حَيْثُ يُتَكَلَّمُ . لَمْ يَخْلُقْهُ فِي غَيْرِهِ . وَلَا يَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقاً وَلَوْ قَرَأَهُ النَّاسُ وَكَتَبُوهُ وَسَمِعُوهُ ، وَمَنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتَهُمْ وَسَائِرَ صِفَاتِهِمْ مَخْلُوقَةٌ ، فَهَذَا لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا نَفَى الْحُلُولَ وَأَرَادَ بِهِ أَنَّ صِفَةَ الْمَوْصُوفِ لَا تُفَارِقُهُ وَتَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ أَصَابَ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، لَكِنَّ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُؤْمِنَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ هُوَ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ كَلَاماً لِغَيْرِهِ ، وَلَكِنْ بَلَّغَتْهُ عَنْهُ رُسُلُهُ ، وَإِذَا كَانَ كَلَامُ الْمَخْلُوقِ يُبَلَّغُ عَنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ
الفتاوى الكبرى — صفحة 28 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا