أُنَاسٌ مُتَعَدِّدُونَ ، وَدَعَا بِهِ أُنَاسٌ مُتَعَدِّدُونَ ، فَالنَّاسُ يَقُولُونَ إنَّهُ اسْمٌ وَاحِدٌ لِمُسَمًّى ، فَإِذَا قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ ، وَقَالَ ذَلِكَ هَذَا الْمُؤَذِّنُ ، وَهَذَا الْمُؤَذِّنُ ، وَقَالَهُ غَيْرُ الْمُؤَذِّنِ ، فَالنَّاسُ يَقُولُونَ إنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ هُوَ اسْمُ اللَّهِ وَاسْمُ رَسُولِهِ ، كَمَا أَنَّ الْمُسَمَّى هُوَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَإِذَا قَالَ : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } ، وَقَالَ : { ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ } وَقَالَ : { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } .
وَقَالَ : ( بِسْمِ اللَّهِ ) فَفِي الْجَمِيعِ الْمَذْكُورُ هُوَ اسْمُ اللَّهِ وَإِنْ تَعَدَّدَ الذِّكْرُ وَالذَّاكِرُ ، فَالْخَبَرُ الْوَاحِدُ مِنْ الْمُخْبِرِ الْوَاحِدِ مِنْ مُخْبِرِهِ ، وَالْأَمْرُ الْوَاحِدُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْأَمْرِ الْوَاحِدِ ، بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ الْوَاحِدِ لِمُسَمَّاهُ ، هَذَا فِي الْمُؤَلَّفِ نَظِيرُ هَذَا فِي الْمُفْرَدِ ، وَهَذَا هُوَ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ ، وَبِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَإِنْ تَعَدَّدَ مَنْ يَذْكُرُ ذَلِكَ الِاسْمَ وَالْخَبَرَ ، وَتَعَدَّدَتْ حَرَكَاتُهُمْ وَأَصْوَاتُهُمْ وَسَائِرُ صِفَاتِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : إنْ قُلْتُمْ إنَّ هَذَا نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ فَقَدْ قُلْتُمْ بِالْحُلُولِ ، وَأَنْتُمْ تُكَفِّرُونَ الْحُلُولِيَّةَ وَالِاتِّحَادِيَّةَ .
فَهَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ ، مِثَالُ رَجُلٍ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحِلُّ بِذَاتِهِ فِي بَدَنِ الَّذِي يَقْرَأُ حَدِيثَهُ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَقَالُوا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ فِي بَدَنِ غَيْرِهِ فَقَالَ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ الْمُحَدِّثَ يَقْرَأُ كَلَامَهُ ، وَإِنَّ مَا يَقْرَؤُهُ هُوَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ قُلْتُمْ بِالْحُلُولِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ كَلَامَ زَيْدٍ فِي هَذَا الْكَلَامِ ، وَهَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ كَلَامُ زَيْدٍ ، وَلَا يَسْتَجِيزُ الْعَاقِلُ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ فِي هَذَا الْمُتَكَلَّمِ أَوْ فِي هَذَا الْوَرَقِ .
وَقَدْ نَطَقَتْ النُّصُوصُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ فِي الصُّدُورِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهْوُ أَشَدُّ تَعَلُّقاً مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ فِي عَقْلِهَا } .
وَقَوْلِهِ : { الْجَوْفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ } وَأَمْثَالِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ عَاقِلٍ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ : اللَّهُ فِي صُدُورِنَا وَأَجْوَافِنَا ، وَلِهَذَا لَمَّا ابْتَدَعَ شَخْصٌ يُقَالُ لَهُ الصُّورِيُّ بِأَنْ قَالَ : الْقُرْآنُ فِي صُدُورِنَا ، فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ النَّصَارَى ، فَقِيلَ لِأَحْمَدَ :
الفتاوى الكبرى — صفحة 26
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦