تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
فَظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الرَّسُولِ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْلِكُهُ . كَمَا يَمْلِكُ النَّاسُ أَمْلَاكَهُمْ . ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ مِلْكاً لِلرَّسُولِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الْفَيْءَ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ كَانَ مِلْكاً لِلرَّسُولِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الرَّسُولَ إنَّمَا كَانَ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْخُمُسِ خُمُسَهُ . وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ : وَكَذَلِكَ كَانَ يَسْتَحِقُّ مِنْ خُمُسِ الْفَيْءِ خُمُسَهُ ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تُوجَدُ فِي كَلَامِ طَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ : مِنْهَا : أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ هَذِهِ الْأَمْوَالَ كَمَا يَمْلِكُ النَّاسُ أَمْوَالَهُمْ ، وَلَا كَمَا يَتَصَرَّفُ الْمُلُوكُ فِي مِلْكِهِمْ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أَنْ يَصْرِفُوا أَمْوَالَهُمْ فِي الْمُبَاحَاتِ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكاً لَهُ فَيَصْرِفُهُ فِي أَغْرَاضِهِ الْخَاصَّةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكاً لَهُ فَيَصْرِفُهُ فِي مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ ، وَهَذِهِ حَالُ النَّبِيِّ الْمَلِكِ كَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ . قَالَ تَعَالَى : { فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أَيْ أَعْطِ مَنْ شِئْت وَاحْرِمْ مَنْ شِئْت لَا حِسَابَ عَلَيْك ، وَنَبِيُّنَا كَانَ عَبْداً رَسُولاً لَا يُعْطِي إلَّا مَنْ أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ ، وَلَا يَمْنَعُ إلَّا مَنْ أُمِرَ بِمَنْعِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ يَصْرِفُ الْأَمْوَالَ إلَّا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَةٍ لَهُ . وَمِنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ لَا يُورَثُ وَلَوْ كَانَ مَلِكاً ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ فَإِذَا كَانَ مُلُوكُ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُونُوا مُلَّاكاً كَمَا يَمْلِكُ النَّاسُ أَمْوَالَهُمْ ، فَكَيْفَ يَكُونُ صَفْوَةُ الرُّسُلِ الَّذِي هُوَ عَبْدٌ رَسُولٌ مَالِكاً . وَمِنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ قَدْرَ الْحَاجَةِ ، وَيَصْرِفُ سَائِرَ الْمَالِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَا يَسْتَفْضِلُهُ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ حَالُ الْمُلَّاكِ ، بَلْ الْمَالُ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِيهِ كُلَّهُ هُوَ مَالُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي طَاعَتِهِ ، فَتَجِبُ طَاعَتُهُ فِي قَسْمِهِ ، كَمَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي سَائِرِ مَا يَأْمُرُ بِهِ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُبَلِّغٌ عَنْ اللَّهِ . وَالْأَمْوَالُ الَّتِي كَانَ يَقْسِمُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهَيْنِ : مِنْهَا : مَا تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ وَمَصْرِفُهُ كَالْمَوَارِيثِ . وَمِنْهَا : مَا يَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادِهِ وَنَظَرِهِ وَرَأْيِهِ ، فَإِنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُ مَا هُوَ مَحْدُودٌ