رَبّك وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلاً ، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً } .
ثُمَّ إنْ كَانَ مَطْلُوبُهُ مُحَرَّماً أَثِمَ وَإِنْ قَضَيْت حَاجَتَهُ .
وَإِنْ كَانَ طَالِباً مُبَاحاً لِغَيْرِ قَصْدِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ لَمْ يَكُنْ آثِماً وَلَا مُثَاباً .
وَإِنْ كَانَ طَالِباً مَا يُعِينُهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ لِقَصْدِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مُثَاباً مَأْجُوراً .
وَهَذَا مِمَّا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْعَبْدِ الرَّسُولِ وَخُلَفَائِهِ ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ الْمَلَكِ ، فَإِنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيّاً مَلَكاً أَوْ عَبْداً رَسُولاً ، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْداً رَسُولاً ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ ، فَفِعْلُهُ كُلُّهُ عِبَادَةٌ لِلَّهِ ، فَهُوَ عَبْدٌ مَحْضٌ مُنَفِّذٌ أَمْرَ مُرْسِلِهِ ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { إنِّي وَاَللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَداً وَلَا أَمْنَعُ أَحَداً وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت } وَهُوَ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ { لَا أُعْطِي أَحَداً وَلَا أَمْنَعُ } إفْرَادَ اللَّهِ بِذَلِكَ قَدَراً وَكَوْناً ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقِينَ يُشَارِكُونَهُ فِي هَذَا فَلَا يُعْطِي أَحَداً وَلَا يَمْنَعُ إلَّا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ إفْرَادَ اللَّهِ بِذَلِكَ شَرْعاً وَدِيناً .
أَيْ لَا أُعْطِي إلَّا مَنْ أُمِرْتُ بِإِعْطَائِهِ .
وَلَا أَمْنَعُ إلَّا مَنْ أُمِرْتُ بِمَنْعِهِ ، فَأَنَا مُطِيعٌ لِلَّهِ فِي إعْطَائِي وَمَنْعِي فَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ وَالْفَيْءَ وَالْغَنَائِمَ كَمَا يَقْسِمُ الْمَوَارِيثَ بَيْنَ أَهْلِهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ .
وَلِهَذَا كَانَ الْمَالُ حَيْثُ أُضِيفَ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَجِبُ أَنْ يُصْرَفَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّسُولِ ، كَمَا ظَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَلَا الْمُرَادُ بِهِ كَوْنَهُ مَمْلُوكاً لِلَّهِ خَلْقاً وَقَدْراً فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَمْوَالِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ : { قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } وَقَوْلِهِ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } الْآيَةَ وَقَوْلِهِ : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } إلَى قَوْلِهِ : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى } .
فَذَكَرَ فِي الْفَيْءِ مَا ذَكَرَ فِي الْخُمُسِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 249
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٩