وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِمَّا يُفَرِّقُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَأَهْلِ الطَّاعَةِ وَأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ ، وَأَهْلِ الْبِرِّ ، وَأَهْلِ الْفُجُورِ ، وَأَهْلِ الْهُدَى وَالضَّلَالِ ، وَأَهْلِ الْغَيِّ وَالرَّشَادِ ، وَأَهْلِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ .
فَمَنْ شَهِدَ " الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ " دُونَ " الدِّينِيَّةِ " سَوَّى بَيْنَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهَا غَايَةَ التَّفْرِيقِ حَتَّى يَؤُولَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُسَوِّيَ اللَّهَ بِالْأَصْنَامِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ : { تَاللَّهِ إنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ، إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } بَلْ قَدْ آلَ الْأَمْرُ بِهَؤُلَاءِ إلَى أَنْ سَوَّوْا اللَّهَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ ، وَجَعَلُوا مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ حَقّاً لِكُلِّ مَوْجُودٍ إذْ جَعَلُوهُ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ بِرَبِّ الْعِبَادِ .
وَهَؤُلَاءِ يَصِلُ بِهِمْ الْكُفْرُ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ عِبَادٌ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُعْبِدُونَ ، وَلَا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ عَابِدُونَ : إذْ يَشْهَدُونَ أَنَّ أَنْفُسَهُمْ هِيَ الْحَقُّ ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ طَوَاغِيتُهُمْ : كَابْنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ " الْفُصُوصِ " ، وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُلْحِدِينَ الْمُفْتَرِينَ : كَابْنِ سَبْعِينَ ، وَأَمْثَالِهِ ، وَيَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْعَابِدُونَ وَالْمَعْبُودُونَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشُهُودٍ لِحَقِيقَةٍ ؛ لَا كَوْنِيَّةٍ وَلَا دِينِيَّةٍ ؛ بَلْ هُوَ ضَلَالٌ ، وَعَمًى عَنْ شُهُودِ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ ، حَيْثُ جَعَلُوا وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ ، وَجَعَلُوا كُلَّ وَصْفٍ مَذْمُومٍ وَمَمْدُوحٍ نَعْتاً لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ ، إذْ وُجُودُ هَذَا هُوَ وُجُودُ هَذَا عِنْدَهُمْ .
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ، عَوَامُّهُمْ وَخَوَاصُّهُمْ ، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ قِيلَ : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ ، وَخَاصَّتُهُ } .
فَهَؤُلَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ ، وَخَالِقُهُ ، وَأَنَّ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ مُبَايِنٌ لِلْمَخْلُوقِ ، لَيْسَ هُوَ حَالّاً فِيهِ وَلَا مُتَّحِداً بِهِ ، وَلَا وُجُودُهُ وُجُودَهُ .
وَالنَّصَارَى كَفَّرَهُمْ اللَّهُ بِأَنْ قَالُوا بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ بِالْمَسِيحِ خَاصَّةً ، فَكَيْفَ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ عَامّاً فِي كُلِّ مَخْلُوقٍ ؟ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 165
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٥