الْكَوْنِيَّةَ ، وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ مَنْ وَصَلَ إلَى شُهُودِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ، وَصَارَ مِنْ الْخَاصَّةِ .
وَرُبَّمَا تَأَوَّلُوا عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْبُدْ رَبَّك حَتَّى يَأْتِيَك الْيَقِينُ } وَجَعَلُوا الْيَقِينَ هُوَ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ ، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ كُفْرٌ صَرِيحٌ ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ طَوَائِفُ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ كُفْرٌ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ لَازِمٌ لِكُلِّ عَبْدٍ مَا دَامَ عَقْلُهُ حَاضِراً إلَى أَنْ يَمُوتَ ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا بِشُهُودِهِ الْقَدَرَ ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ عُرِّفَهُ ، وَبُيِّنَ لَهُ ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى اعْتِقَادِ سُقُوطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ ، وَقَدْ كَثُرَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ فِي الْمُسْتَأْخِرِينَ .
وَأَمَّا الْمُسْتَقْدِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتُ مَعْرُوفَةً فِيهِمْ .
وَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ هِيَ مُحَادَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمُعَادَاةٌ لَهُ ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَمُشَاقَّةٌ لَهُ ، وَتَكْذِيبٌ لِرُسُلِهِ ؛ وَمُضَادَّةٌ لَهُ فِي حُكْمِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ قَدْ يَجْهَلُ ذَلِكَ ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ هُوَ طَرِيقُ الرَّسُولِ ، وَطَرِيقُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُحَقِّقِينَ ؛ فَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ ، أَوْ أَنَّ الْخَمْرَ حَلَالٌ لَهُ لِكَوْنِهِ مِنْ الْخَوَاصِّ الَّذِينَ لَا يَضُرُّهُمْ شُرْبُ الْخَمْرِ ؛ أَوْ أَنَّ الْفَاحِشَةَ حَلَالٌ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْبَحْرِ لَا تُكَدِّرُهُ الذُّنُوبُ ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ الْبِدْعَةِ الْمُخَالِفَةِ لِشَرْعِ اللَّهِ ؛ وَبَيْنَ الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ ؛ فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ فِيهِمْ شَبَهٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، إمَّا أَنْ يَبْتَدِعُوا ، وَإِمَّا أَنْ يَحْتَجُّوا بِالْقَدَرِ ، وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ الْمُشْرِكِينَ : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وَكَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ : { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 168
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٨