قَالَ رَبُّك لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا دَاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَقَوْلُهُ : { إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } يَعُمُّ آدَمَ وَبَنِيهِ ؛ لَكِنَّ الِاسْمَ مُتَنَاوِلٌ لِآدَمَ عَيْناً ، كَقَوْلِهِ : { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } وَقَوْلِهِ : { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ } وَقَوْلِهِ : { وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا كَانَ بَيْنَ " دَاوُد ، وَآدَمَ " مِنْ الْمُنَاسَبَةِ مَا أَحَبَّ بِهِ دَاوُد حِينَ أَرَاهُ ذُرِّيَّتَهُ ، وَسَأَلَ عَنْ عُمْرِهِ ؟ فَقِيلَ : أَرْبَعُونَ سَنَةً .
فَوَهَبَهُ مِنْ عُمْرِهِ الَّذِي هُوَ أَلْفُ سَنَةٍ سِتِّينَ سَنَةً .
وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ ؛ وَلِهَذَا كِلَاهُمَا اُبْتُلِيَ بِمَا ابْتَلَاهُ بِهِ مِنْ الْخَطِيئَةِ ، كَمَا أَنَّ كُلّاً مِنْهُمَا مُنَاسِبَةٌ لِلْأُخْرَى .
إذْ جِنْسُ الشَّهْوَتَيْنِ وَاحِدٌ ، وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ بِالتَّوْبَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي نَالَ بِهَا مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ وَفَرَحِهِ بِهِ مَا نَالَ ، وَيُذْكَرُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْبُكَاءِ وَالنَّدَمِ وَالْحُزْنِ مَا يُنَاسِبُ بَعْضُهُ بَعْضاً .
" وَالْخَلِيفَةُ " هُوَ مَنْ كَانَ خَلَفاً عَنْ غَيْرِهِ .
فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ ، { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَافَرَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا ، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا } وَقَالَ : { أَوَكُلَّمَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 120
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٠