أَحَدُهُمَا : الْمَنْعُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَقُولَ قَدْ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الْعَامَّةُ عَلَى حِلِّ الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ جُمْلَةً إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ .
وَمَا عَارَضُوا بِهِ سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ وَأَمَّا قَوْلُهُ : { مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ } .
فَالشَّرْطُ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ تَارَةً وَالْمَفْعُولُ أُخْرَى ، وَكَذَلِكَ الْوَعْدُ وَالْخُلْفُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَشْرُوطُ لَا نَفْسُ التَّكَلُّمِ ، وَلِهَذَا قَالَ : " وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ " أَيْ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ مَشْرُوطٍ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَعْدِيدُ التَّكَلُّمِ بِالشَّرْطِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَعْدِيدُ الْمَشْرُوطِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : { كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ } ، أَيْ : كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ مِنْهُ ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا خَالَفَ ذَلِكَ الشَّرْطُ كِتَابَ اللَّهِ وَشَرْطَهُ بِأَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْرُوطُ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَلَمْ يُخَالِفْ كِتَابَ اللَّهِ وَشَرْطَهُ ، حَتَّى يُقَالَ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ .
فَيَكُونُ الْمَعْنَى مَنْ اشْتَرَطَ أَمْراً لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ أَوْ فِي كِتَابِهِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ مِمَّا يُبَاحُ فِعْلُهُ بِدُونِ الشَّرْطِ حَتَّى يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ .
وَيَجِبَ بِالشَّرْطِ .
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ أَبَداً كَانَ هَذَا الْمَشْرُوطُ وَهُوَ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَانْظُرْ إلَى الْمَشْرُوطِ إنْ كَانَ فِعْلاً أَوْ حُكْماً فَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَبَاحَهُ جَازَ اشْتِرَاطُهُ وَوَجَبَ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُبِحْهُ لَمْ يَجُزْ اشْتِرَاطُهُ ، فَإِذَا اشْتَرَطَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِزَوْجَتِهِ فَهَذَا الْمَشْرُوطُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ يُبِيحُ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا ، فَإِذَا شَرَطَ عَدَمَ السَّفَرِ فَقَدْ شَرَطَ مَشْرُوطاً مُبَاحاً فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَمَضْمُونُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ ، أَوْ يُقَالُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَفْيُهُ ، كَمَا يُقَالُ { سَيَكُونُ أَقْوَامٌ يُحَدِّثُونَكُمْ بِمَا لَمْ تَعْرِفُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ } أَيْ تَعْرِفُوا خِلَافَهُ أَوْ لَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِنْكُمْ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 96
مساهمون: ابن تيمية
ص٩٦