تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
الزَّرْعِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِمَّا يَسْتَحِيلُ مِنْ الْحَبِّ ، وَالْحَبُّ يَسْتَحِيلُ فَلَا يَبْقَى ، بَلْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ وَيُحِيلُهُ كَمَا يُحِيلُ أَجْزَاءً مِنْ الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ ، وَكَمَا يُحِيلُ الْمَنِيَّ وَسَائِرَ مَخْلُوقَاتِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ وَالنَّبَاتِ ، وَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ رَأْيِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْحَبَّ وَالنَّوَى فِي الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ هُوَ الْأَصْلُ ، وَالْبَاقِي تَبَعٌ حَتَّى قَضَوْا فِي مَوَاضِعَ بِأَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ وَالشَّجَرُ لِرَبِّ النَّوَى وَالْحَبُّ ، مَعَ قِلَّةِ قِيمَتِهِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةُ أَرْضِهِ . وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَضَى بِضِدِّ هَذَا حَيْثُ قَالَ : { مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ } . فَأَخَذَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَبَعْضُ مَنْ أَخَذَ بِهِ يَرَى أَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِحْسَانِ ، وَهَذَا لِمَا انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْقِيَاسِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَهُوَ أَنَّ الزَّرْعَ تَبَعٌ لِلْبَذْرِ وَالشَّجَرَ تَبَعٌ لِلنَّوَى ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ ، فَإِنَّ إلْقَاءَ الْحَبِّ فِي الْأَرْضِ يُعَادِلُهُ إلْقَاءُ الْمَنِيِّ فِي الرَّحِمِ سَوَاءٌ . وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ النِّسَاءَ حَرْثاً فِي قَوْلِهِ : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ } كَمَا سَمَّى الْأَرْضَ الْمَزْرُوعَةَ حَرْثاً ، وَالْمُغَلَّبُ فِي مِلْكِ الْحَيَوَانِ إنَّمَا هُوَ جَانِبُ الْأُمِّ ، وَلِهَذَا يَتْبَعُ الْوَلَدُ الْآدَمِيُّ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ دُونَ أَبِيهِ ، وَيَكُونُ جَنِينُ الْبَهِيمَةِ لِمَالِكِ الْأُمِّ دُونَ الْعِجْلِ الَّذِي نَهَى عَنْ عَسْبِهِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي اسْتَمَدَّهَا مِنْ الْأُمِّ أَضْعَافُ الْأَجْزَاءِ الَّتِي اسْتَمَدَّهَا مِنْ الْأَبِ ، وَإِنَّمَا لِلْأَبِ حَقُّ الِابْتِدَاءِ فَقَطْ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهُمَا جَمِيعاً ، وَكَذَلِكَ الْحَبُّ وَالنَّوَى ، فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا الشَّجَرُ وَالزَّرْعُ أَكْثَرُهَا مِنْ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ ، وَقَدْ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ فَيَضْعُفُ بِالزَّرْعِ فِيهَا ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ تَسْتَخْلِفُ دَائِماً فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَزَالُ يَمُدُّ الْأَرْضَ بِالْمَاءِ وَبِالْهَوَاءِ وَبِالتُّرَابِ ، إمَّا مُسْتَحِيلاً مِنْ غَيْرِهِ وَإِمَّا بِالْمَوْجُودِ ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَرْضِ بَعْضُ الْأَجْزَاءِ التُّرَابِيَّةِ شَيْئاً إمَّا لِلْخَلَفِ بِالِاسْتِحَالَةِ وَإِمَّا لِلْكَثْرَةِ . وَلِهَذَا صَارَ يَظْهَرُ أَنَّ أَجْزَاءَ الْأَرْضِ فِي مَعْنَى الْمَنَافِعِ بِخِلَافِ الْحَبِّ وَالنَّوَى