تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
أَمَّا السُّنَّةُ : فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَمَا دَفَعَ إلَيْهِمْ بَذْراً ، وَكَمَا عَامَلَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَنْصَارَ عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِهِ ، قَالَ حَرْبٌ الْكَرْمَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ حَكِيمٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ فَأَعْطَاهُ الْعِنَبَ وَالنَّخْلَ عَلَى أَنَّ لِعُمَرَ الثُّلُثَانِ وَلَهُمْ الثُّلُثُ ، وَأَعْطَاهُ الْبَيَاضَ إنْ كَانَ الْبَقَرُ وَالْبَذْرُ وَالْحَدِيدُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فَلِعُمَرَ الثُّلُثَانِ وَلَهُمْ الثُّلُثُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَلِعُمَرَ الشَّطْرُ وَلَهُمْ الشَّطْرُ ، فَهَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ عَامِلُهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَمِلَ خِلَافَهُ بِتَجْوِيزِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ ، أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامِلِ . وَقَالَ حَرْبٌ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ حُضَيْرٍ عَنْ صَخْرِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلِيعٍ الْمُحَارِبِيِّ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : إنَّ فُلَاناً أَخَذَ أَرْضاً فَعَمِلَ فِيهَا وَفَعَلَ فِيهَا ، فَدَعَاهُ عَلِيٌّ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي أَخَذْت ، قَالَ : أَرْضٌ أَخَذْتهَا أُكْرِيَ أَنْهَارَهَا ، وَأَعْمُرُهَا ، وَأَزْرَعُهَا ، فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَلِي النِّصْفُ وَلَهُ النِّصْفُ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَذَا . فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَيَكْفِي إطْلَاقُ سُؤَالِهِ وَإِطْلَاقُ عَلِيٍّ الْجَوَابَ . وَأَمَّا الْقِيَاسُ : فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ نَوْعٌ مِنْ الشَّرِكَةِ لَيْسَتْ مِنْ الْإِجَارَةِ الْخَاصَّةِ وَإِنْ جُعِلَتْ إجَارَةً ؛ فَهِيَ مِنْ الْإِجَارَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا الْجَعَالَةُ وَالسَّبْقُ وَالرَّمْيُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَذْرَ فِي الْمُزَارَعَةِ لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي يَرْجِعُ إلَى رَبِّهَا كَالثَّمَنِ فِي الْمُضَارَبَةِ ، بَلْ الْبَذْرُ يَتْلَفُ كَمَا تَتْلَفُ الْمَنَافِعُ ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْأَرْضُ أَوْ بَدَنُ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ ، فَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِثْلَ رَأْسِ الْمَالِ ، لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَرْجِعَ مِثْلُهُ إلَى مَخْرَجِهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ يَشْتَرِكَانِ فِي جَمِيعِ الزَّرْعِ ، فَظَهَرَ أَنَّ الْأُصُولَ فِيهَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ هِيَ الْأَرْضُ بِمَائِهَا وَهَوَائِهِمْ وَبَدَنِ الْعَامِلِ وَالْبَقَرِ ، وَأَكْثَرُ الْحَرْثِ وَالْبَذْرِ يَذْهَبُ كَمَا تَذْهَبُ الْمَنَافِعُ وَكَمَا يَذْهَبُ أَجْزَاءٌ مِنْ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ فَيَسْتَحِيلُ زَرْعاً ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ الزَّرْعَ مِنْ نَفْسِ الْحَبِّ وَالتُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ ، كَمَا يَخْلُقُ الْحَيَوَانَ مِنْ مَاءِ الْأَبَوَيْنِ ، بَلْ مَا يَسْتَحِيلُ فِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 73 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا