تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
عَنْهَا ، وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ وَلَمْ تَكُنْ الْمُخَابَرَةُ عِنْدَهُمْ إلَّا ذَلِكَ ، بَيَّنَ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا لَا نَرَى بِالْخِبْرَةِ بَأْساً حَتَّى كَانَ عَامُ أَوَّلٍ ، فَزَعَمَ رَافِعٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ فَتَرَكْنَاهُ مِنْ أَجَلِهِ . فَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَافِعاً رَوَى النَّهْيَ عَنْ الْخِبْرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى حَدِيثِ رَافِعٍ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْخِبْرَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْمُخَابَرَةُ ، وَالْمُزَارَعَةُ بِالنِّصْفِ ، أَوْ الثُّلُثِ وَالرُّبْعِ ، وَأَقَلُّ وَأَكْثَرُ ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ لِهَذَا سُمِّيَ الْأَكَّارُ خَبِيراً ؛ لِأَنَّهُ يُخَابِرُ الْأَرْضَ ، الْمُخَابَرَةُ هِيَ الْمُؤَاكَرَةُ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : أَصْلُ هَذَا مِنْ خَيْبَرَ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَقَرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى النِّصْفِ ، فَقِيلَ خَابَرَهُمْ أَيْ عَامَلَهُمْ فِي خَيْبَرَ ، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ فَإِنَّ مُعَامَلَتَهُ بِخَيْبَرَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا قَطُّ بَلْ فَعَلَهَا الصَّحَابَةُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ ، وَإِنَّمَا رَوَى حَدِيثَ الْمُخَابَرَةِ رَافِعٌ ، وَجَابِرٌ ، وَقَدْ فَسَّرَا مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ ، وَالْخَبِيرُ هُوَ الْفَلَّاحُ سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَخْبُرُ الْأَرْضَ . وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُزَارَعَةِ ، فَقَالُوا : الْمُخَابَرَةُ هِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ ، وَالْمُزَارَعَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ ، قَالُوا : وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ لَا الْمُزَارَعَةِ ، وَهَذَا أَيْضاً ضَعِيفٌ فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُزَارَعَةِ ، كَمَا نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ ، وَكَمَا نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ عَامَّةٌ لِمَوْضِعِ نَهْيِهِ وَغَيْرِ مَوْضِعِ نَهْيِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ مِمَّا يَفْعَلُونَهُ لِأَجْلِ التَّخْصِيصِ الْعُرْفِيِّ لَفْظاً وَفِعْلاً ، وَلِأَجْلِ الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ وَهِيَ لَامُ الْعَهْدِ ، وَسُؤَالِ السَّائِلِ وَإِلَّا فَقَدْ نَقَلَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْمُخَابَرَةَ هِيَ الْمُزَارَعَةُ وَالِاشْتِقَاقُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . فَصْلٌ وَاَلَّذِينَ جَوَّزُوا الْمُزَارَعَةَ ، مِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ ، وَقَالُوا : هَذِهِ هِيَ الْمُزَارَعَةُ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، اخْتَارَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَأَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، حَيْثُ يُجَوِّزُونَ الْمُزَارَعَةَ . وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ قِيَاسُهَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ ، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ أَحْمَدُ أَيْضاً ، قَالَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 70 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا