تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
الْمُزَارَعَةِ ، وَأَنَّهُ قَالَ : { لَا تُكْرُوا الْأَرْضَ } ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكِرَاءُ الَّذِي كَانُوا يَعْتَادُونَهُ مِنْ الْكِرَاءِ وَالْمُعَاوَضَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تَصْلُحَ وَإِلَى الْمُزَارَعَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا جُزْءٌ مُعَيَّنٌ : وَهَذَا نَهْيٌ عَمَّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ ، هَذَا نَهْيٌ عَنْ الْغَرَرِ فِي جِنْسِ الْبَيْعِ . وَذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ الْغَرَرِ فِي جِنْسِ الْكِرَاءِ الْعَامِّ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي كِلَيْهِمَا أَنَّ هَذِهِ الْمُبَايَعَةَ وَهَذِهِ الْمُكَارَاةَ كَانَتْ تُفْضِي إلَى الْخُصُومَةِ وَالشَّنَآنِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الْمَيْسِرِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } . فَصْلٌ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ الَّتِي أَدْخَلَهَا قَوْمٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَنْوَاعٌ مِنْ الْإِجَارَاتِ وَالْمُشَارَكَاتِ ، كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ حَرَامٌ بَاطِلٌ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّهَا عَمَلٌ بِعِوَضٍ وَالْإِجَارَةُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْأَجْرُ مَعْلُوماً ؛ لِأَنَّهَا كَالثَّمَرِ ، وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُ أَجْرَهُ } ، وَعَنْ النَّجْشِ وَاللَّمْسِ وَإِلْقَاءِ الْحَجَرِ ، وَالْعِوَضُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ مَجْهُولٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ قَلِيلاً . وَقَدْ يَخْرُجُ كَثِيراً ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَى صِفَاتٍ نَاقِصَةٍ ، وَقَدْ لَا يَخْرُجُ ، فَإِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَقَدْ اسْتَوْفَى عَمَلَ الْعَامِلِ بَاطِلاً . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَشَدُّ النَّاسِ قَوْلاً بِتَحْرِيمِ هَذَا ، وَأَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فَالْقِيَاسُ عِنْدَهُمَا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إدْخَالاً لِذَلِكَ فِي الْغَرَرِ ، لَكِنْ جَوَّزَا مِنْهُ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ ، فَجَوَّزَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ الْمُسَاقَاةَ مُطْلَقاً ؛ لِأَنَّ كِرَاءَ الشَّجَرِ لَا يَجُوزُ