إثْنَاؤُهَا وَصَلَاةُ الْفَجْرِ بِغَلَسٍ أَوْ الْإِسْفَارُ بِهَا ، وَالْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ أَوْ تَرْكُهُ ، وَالْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ الْمُخَافَتَةُ بِهَا ، أَوْ تَرْكُ قِرَاءَتِهَا ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذِهِ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ أَقَرَّ الْآخَرَ عَلَى اجْتِهَادِهِ مَنْ كَانَ فِيهَا أَصَابَ الْحَقَّ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَمَنْ كَانَ قَدْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ ، فَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ مَالِكٍ ، وَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ أَحْمَدَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .
وَلَا أَحَدَ فِي الْإِسْلَامِ يُجِيبُ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ بِجَوَابٍ عَامٍّ أَنَّ فُلَاناً أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ فَيُقْبَلُ مِنْهُ هَذَا الْجَوَابُ ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُرَجِّحُ مَتْبُوعَهَا ، فَلَا تَقْبَلُ جَوَابَ مَنْ يُجِيبُ بِمَا يُخَالِفُهَا فِيهِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ يُرَجِّحُ قَوْلاً أَوْ عَمَلاً لَا يَقْبَلُ قَوْلَ مَنْ يُفْتِي بِخِلَافِ ذَلِكَ ، لَكِنْ إنْ كَانَ الرَّجُلُ مُقَلِّداً لِمَنْ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ .
وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِداً اجْتَهَدَ وَاتَّبَعَ مَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلَّا وُسْعَهَا .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } .
لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَّبِعَ هَوَاهُ وَلَا يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ .
قَالَ تَعَالَى : { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { يُجَادِلُونَك فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ } .
وَمَا مِنْ إمَامٍ إلَّا لَهُ مَسَائِلُ يَتَرَجَّحُ فِيهَا قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ .
وَلَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفَاضُلَ إلَّا مَنْ خَاضَ فِي تَفَاصِيلِ الْعِلْمِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَأَنَّهُ يُصْعَدُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ ، فَهَذَا حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ .
وَقَوْلُهُ " فِيهَا اللَّهُ " بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى { : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 449
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٩