تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : عَمْرٌو . فَمَنْ قَالَ : إنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ؛ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَكَتَ . ثُمَّ قَالَ طَالِقٌ ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ ؛ وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقاً يَتَرَاخَى عَنْهُ طَلَاقٌ آخَرُ . وَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ تَعَلُّقِ الْجَمِيعِ بِالشَّرْطِ : تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ . فَإِذَا كَانَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهَؤُلَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ . بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ . وَقَوْلُهُ . أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : أَنَتُنَّ طَوَالِقُ ؛ ثُمَّ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ : إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ . وَإِنَّ الشَّرْطَ تَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ الْعَطْفَ بِمَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ يُوجِبُ الصَّرْفَ إلَى مَنْ يَلِيه الشَّرْطُ دُونَ السَّابِقَيْنِ ؟ ، وَهَلَّا قِيلَ هُنَا : إذَا ثَبَتَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ نَصّاً بِاللَّفْظَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ؛ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُغَيِّرُهُ : وَجَبَ تَقْرِيرُ الطَّلَاقِ الْوَاقِعِ ؛ بَلْ مَسْأَلَةُ الطَّلَاقِ أَوْلَى بِقَصْرِ الشَّرْطِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ ؛ لِأَنَّ إحْدَى الطَّلْقَتَيْنِ لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْأُخْرَى مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ ؛ بَلْ يُمْكِنُ إيقَاعُهُمَا مَعاً ؛ بِخِلَافِ وَلَدِ الْوَلَدِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُوجَدُونَ إلَّا مُتَعَاقِبِينَ . فَالْحَاجَةُ هُنَا دَاعِيَةٌ إلَى التَّرْتِيبِ مَا لَا تَدْعُو إلَيْهِ فِي الطَّلَاقِ . وَأَيْضاً فَإِنَّ جَوَازَ تَعْقِيبِ الْبَيْعِ وَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِمَا بِالشُّرُوطِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ شُرَيْحٍ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ - وَهِيَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ مُتَأَخِّرٍ ، كَمَا ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الطَّلَاقِ . فَإِذَا كَانُوا قَدْ أَعَادُوا الشَّرْطَ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ الْمُرَتَّبَةِ بِثُمَّ . فَالْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِهَا أَوْلَى . وَهَذَا الْكَلَامُ لِمَنْ تَدَبَّرْهُ يَجْتَثُّ قَاعِدَةَ مَنْ نَسَبَ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَا يُخَالِفُ هَذَا . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ : فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِهِ هُنَا ؟ قُلْنَا : قَدْ أَسْلَفْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ عَلَى أُصُولِ الْجَمِيعِ ؛ لِدَلِيلٍ دَلَّ عَلَى الرُّجُوعِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الضَّمِيرِ حَقِيقَةً فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ . وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْكَلَامِ . ثُمَّ الَّذِي يَقُولُ بِهَذَا يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الطَّلَاقِ مِنْ وُجُوهٍ :
الفتاوى الكبرى — صفحة 324 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا