تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
جَعَلَ مَالِكٌ والداروردي قَوْلَ أَنَسٍ أَرَأَيْت أَنْ مَنَعَ اللَّهَ الثَّمَرَةَ مِنْ حَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَجَهُ فِيهِ ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ غَلَطٌ فَهَذَا التَّعْلِيلُ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ فِي بَيَانِ أَنَّ فِي ذَلِكَ أَكْلاً لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، حَيْثُ أَخَذَهُ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ بِلَا عِوَضٍ ، وَإِذَا كَانَتْ مَفْسَدَةُ بَيْعِ الْغَرَرِ هِيَ كَوْنُهُ مَطِيَّةُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ إذَا عَارَضَهَا الْمَصْلَحَةُ الرَّاجِحَةُ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا ، كَمَا أَنَّ السِّبَاقَ بِالْخَيْلِ وَالسِّهَامِ وَالْإِبِلِ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ جَازَ بِالْعِوَضِ ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ غَيْرُهُ بِعِوَضٍ ، وَكَمَا أَنَّ اللَّهْوَ الَّذِي يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مَنْفَعَةٌ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ رَجُلٌ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ } . صَارَ هَذَا اللَّهْوُ حَقّاً وَمَعْلُومٌ أَنَّ الضَّرَرَ عَلَى النَّاسِ بِتَحْرِيمِ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِمَّا قَدْ يَتَخَوَّفُ مِنْهَا مَنْ تَبَاغَضَ وَأَكَلَ مَالاً بِالْبَاطِلِ ؛ لِأَنَّ الْغُرُورَ فِيهَا يَسِيرٌ ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهَا مَاسَّةٌ ، وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِيَسِيرِ الْغَرَرِ ، وَالشَّرِيعَةُ جَمِيعُهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّحْرِيمِ إذَا عَارَضَتْهَا حَاجَةٌ رَاجِحَةٌ أُبِيحَ الْمُحَرَّمُ ، فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ مَنْفِيَّةً ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَى بَقَائِهَا بَعْدَ الْبَيْعِ عَلَى الشَّجَرِ إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ أَبَاحَ الشَّرْعُ ذَلِكَ ، وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَا سَنُقَرِّبُ قَاعِدَتَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا إذَا تَلِفَتْ بَعْدَ الْبَيْعِ بِجَائِحَةٍ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيك ثَمَراً فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً ، ثُمَّ تَأْخُذَ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهُ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ } . وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنَّمَا بَلَغَهُ حَدِيثٌ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ اضْطِرَابٌ ، أَخَذَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ إنَّهَا تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي لَا