تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
مَالِكٍ وَأُصُولُ أَحْمَدَ وَبَعْضُ أُصُولِ غَيْرِهِمَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ غَالِبُ مُعَامَلَاتِ السَّلَفِ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ فِي مَعَايِشِهِمْ إلَّا بِهِ ، وَكُلُّ مَنْ شَرَعَ فِي تَحْرِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ غَرَراً فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَضْطَرَّ إلَى إجَازَةِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ ، فَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِهِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِمَّا أَنْ يَحْتَالَ ، وَقَدْ رَأَيْنَا النَّاسَ وَبَلَغَتْنَا أَخْبَارُهُمْ فَمَا عَلِمْنَا أَحَداً الْتَزَمَ مَذْهَبَهُ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعاً أَنَّ مَفْسَدَةَ التَّحْرِيمِ لَا تَزُولُ بِالْحِيلَةِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُحَرِّمَ الشَّارِعُ عَلَيْنَا أَمْراً نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ ، ثُمَّ لَا يُبِيحُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ لَا فَائِدَةَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ جِنْسِ اللَّعِبِ ، وَلَقَدْ تَأَمَّلْتُ أَغْلَبَ مَا وَقَعَ النَّاسُ فِي الْحِيَلِ فَوَجَدْتُهُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ . إمَّا ذُنُوبٌ جَوَّزُوا عَلَيْهَا تَضْيِيقاً فِي أُمُورِهِمْ ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا دَفْعَهُ إلَّا بِالْحِيَلِ ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ الْحِيَلُ إلَّا بَلَاءً كَمَا جَرَى لِأَصْحَابِ السَّبْتِ مِنْ الْيَهُودِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } . وَهَذَا ذَنْبٌ عَمَلِيٌّ . وَإِمَّا مُبَالَغَةٌ فِي التَّشْدِيدِ لِمَا اعْتَبَرُوهُ مِنْ تَحْرِيمِ الشَّارِعِ فَاضْطَرَّهُمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ إلَى الِاسْتِحْلَالِ بِالْحِيَلِ ؛ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِلَّا فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَأَخَذَ مَا أَحَلَّ لَهُ وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْوِجُهُ إلَى الْحِيَلِ الْمُبْتَدَعَةِ أَبَداً ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ . وَإِنَّمَا بُعِثَ نَبِيُّنَا بِالْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ ، فَالسَّبَبُ الْأَوَّلُ هُوَ الظُّلْمُ ، وَالثَّانِي عَدَمُ الْعِلْمِ ، وَالظُّلْمُ وَالْجَهْلُ هُوَ وَصْفُ الْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } . وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الْأَعْيَانِ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، أَوْ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ كَالْمَيْسِرِ وَالرِّبَا الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ بُيُوعُ الْغَرَرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي نَبَّهَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَرَسُولُهُ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ } فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَيْسِرَ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ، سَوَاءٌ كَانَ مَيْسِراً بِالْمَالِ أَوْ بِاللَّعِبِ ، فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ بِلَا فَائِدَةٍ وَأَخْذَ الْمَالِ بِلَا حَقٍّ يُوقِعُ فِي النُّفُوسِ ذَلِكَ .