تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ فَلَا تُجْزِئُهُ إذَا عَلَّقَ بِهِ وُجُوبَ عِبَادَةٍ أَوْ تَحْرِيمَ مُبَاحٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَهُ بِاَللَّهِ ثُمَّ حَنِثَ كَانَ مُوجِبُ حِنْثِهِ أَنَّهُ قَدْ هَتَكَ أَيْمَانَهُ بِاَللَّهِ حَيْثُ لَمْ يَفِ بِعَهْدِهِ ، وَإِذَا عَلَّقَ بِهِ وُجُوبَ فِعْلٍ أَوْ تَحْرِيمَهُ فَإِنَّمَا يَكُونُ مُوجِبُ حِنْثِهِ تَرْكَ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلَ مُحَرَّمٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحِنْثَ الَّذِي مُوجِبُهُ خَلَلٌ فِي التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ مِمَّا مُوجِبُهُ مَعْصِيَةً مِنْ الْمَعَاصِي ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ شَرَعَ الْكَفَّارَةَ لِإِصْلَاحِ مَا اقْتَضَى الْحِنْثُ فِي التَّوْحِيدِ فَسَادَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَخَيْرُهُ فَلَأَنْ يَشْرَعَ لِإِصْلَاحِ مَا اقْتَضَى الْحِنْثُ فَسَادَهُ فِي الطَّاعَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَأَيْضاً فَإِنَّا نَقُولُ إنَّ مُوجِبَ صِيغَةِ الْقَسَمِ مِثْلُ مُوجِبِ صِيغَةِ التَّعْلِيقِ وَالنَّذْرُ نَوْعٌ مِنْ الْيَمِينِ ، وَكُلُّ نَذْرٍ فَهُوَ يَمِينٌ نَقُولُ النَّاذِرُ لِلَّهِ عَلَى أَنْ أَفْعَلَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ احْلِفْ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ ، مُوجِبُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْتِزَامُ الْفِعْلِ مُعَلَّقاً بِاَللَّهِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ : { النَّذْرُ وَالْحَلِفُ } فَقَوْلُهُ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ لِلَّهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَوَاَللَّهِ لَأَحُجَّنَّ ، وَطَرَدَ هَذَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ بِرّاً لَزِمَهُ فِعْلُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ ، فَإِنَّ حَلِفَهُ لَيَفْعَلَنَّهُ نَذْرٌ لِفِعْلِهِ ، وَكَذَلِكَ طَرَدَ هَذَا أَنَّهُ إذَا نَذَرَ لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحاً فَقَدْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَلَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحاً لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَغَيْرِهِمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّاسِ . فَصْلٌ فَأَمَّا الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ ، مِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا حَضّاً أَوْ مَنْعاً أَوْ تَصْدِيقاً أَوْ تَكْذِيباً . كَقَوْلِهِ بِالطَّلَاقِ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا . أَوْ إلَّا فَعَلْت كَذَا أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ ، أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ فَمَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ إنَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ يَجِبُ فِيهِ الْوَفَاءُ فَإِنَّهُ يَقُولُ هُنَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ أَيْضاً . وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ قَالُوا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ تُجْزِئُهُ الْكَفَّارَةُ فَاخْتَلَفُوا هُنَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ كَلَامٌ ، وَإِنَّمَا بَلَغَنَا الْكَلَامُ فِيهِ عَنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِهِ مُحْدَثَةٌ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ فِي عَصْرِهِمْ .