تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ الَّتِي لَمْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الْقِتَالِ ، وَأَمَّا مَا اسْتَعَانُوا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَيْلٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَفِي أَخْذِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ نَهَبَ عَسْكَرُهُ مَا فِي عَسْكَرِ الْخَوَارِجِ ، فَإِنْ رَأَى وَلِيُّ الْأَمْرِ أَنْ يَسْتَبِيحَ مَا فِي عَسْكَرِهِمْ مِنْ الْمَالِ كَانَ هَذَا سَائِغاً .
هَذَا مَا دَامُوا مُمْتَنِعِينَ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفَرِّقَ شَمْلَهُمْ وَيَحْسِمَ مَادَّةَ شَرِّهِمْ ، وَإِلْزَامُهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ ، وَقَتْلُ مَنْ أَصَرَّ عَلَى الرِّدَّةِ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا قَتْلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَبْطَنَ كُفْراً مِنْهُ ، وَهُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ الزِّنْدِيقَ ، فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ وَإِنْ تَابَ ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ .
وَمَنْ كَانَ دَاعِياً مِنْهُمْ إلَى الضَّلَالِ لَا يَنْكَفُّ شَرُّهُ إلَّا بِقَتْلِهِ ، قُتِلَ أَيْضاً ، وَإِنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ كَأَئِمَّةِ الرَّفْضِ الَّذِينَ يُضِلُّونَ النَّاسَ ، كَمَا قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ ، وَالْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ وَأَمْثَالَهُمَا مِنْ الدُّعَاةِ .
فَهَذَا الدَّجَّالُ يُقْتَلُ مُطْلَقاً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
758 - 112 - سُئِلَ : عَنْ رَجُلٍ لَعَنَ الْيَهُودَ ، وَلَعَنَ دِينَهُ ، وَسَبَّ التَّوْرَاةَ : فَهَلْ يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسُبَّ كِتَابَهُمْ ، أَمْ لَا ؟
أَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَلْعَنَ التَّوْرَاةَ ؛ بَلْ مَنْ أَطْلَقَ لَعْنَ التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِفُ أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا : فَهَذَا يُقْتَلُ بِشَتْمِهِ لَهَا ؛ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ .
وَأَمَّا إنْ لَعَنَ دِينَ الْيَهُودِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي ذَلِكَ .
فَإِنَّهُمْ مَلْعُونُونَ هُمْ وَدِينُهُمْ ، وَكَذَلِكَ إنْ سَبَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي عِنْدَهُمْ بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَصْدَهُ ذِكْرَ تَحْرِيفِهَا مِثْلُ أَنْ يُقَالَ : نُسَخُ هَذِهِ التَّوْرَاةُ مُبَدَّلَةٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا .
وَمَنْ عَمِلَ الْيَوْمَ بِشَرَائِعِهَا الْمُبَدَّلَةِ وَالْمَنْسُوخَةِ فَهُوَ كَافِرٌ : فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ حَقٌّ لَا شَيْءَ عَلَى قَائِلِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 515
مساهمون: ابن تيمية
ص٥١٥