وَلَدُهُ مِنْهَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ وَيَرِثُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ .
فَإِنَّ " ثُبُوتَ النَّسَبِ " لَا يَفْتَقِرُ إلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ؛ بَلْ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } فَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً وَوَطِئَهَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ : إمَّا لِجَهْلِهِ .
وَإِمَّا لِفَتْوَى مُفْتٍ مُخْطِئٍ قَلَّدَهُ الزَّوْجُ .
وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ، وَيَتَوَارَثَانِ بِالِاتِّفَاقِ ؛ بَلْ وَلَا تُحْسَبُ الْعِدَّةُ إلَّا مِنْ حِينِ تَرَكَ وَطْأَهَا ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَطَؤُهَا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ ، فَهِيَ فِرَاشٌ لَهُ فَلَا تَعْتَدُّ مِنْهُ حَتَّى تَتْرُكَ الْفِرَاشَ .
وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً " نِكَاحاً فَاسِداً ، مُتَّفَقاً عَلَى فَسَادِهِ ، أَوْ مُخْتَلَفاً فِي فَسَادِهِ أَوْ مَلَكَهَا مِلْكاً مُتَّفَقاً عَلَى فَسَادِهِ ، أَوْ مُخْتَلَفاً فِي فَسَادِهِ ، أَوْ وَطِئَهَا يَعْتَقِدُهَا زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ ، أَوْ أَمَتَهُ الْمَمْلُوكَةَ : فَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ، وَيَتَوَارَثَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
وَالْوَلَدُ أَيْضاً يَكُونُ حُرّاً ؛ وَإِنْ كَانَ الْمَوْطُوءَةُ مَمْلُوكَةً لِلْغَيْرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَوُطِئَتْ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهَا ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَاطِئُ مَغْرُوراً بِهَا زُوِّجَ بِهَا وَقِيلَ : هِيَ حُرَّةٌ ، أَوْ بِيعَتْ فَاشْتَرَاهَا يَعْتَقِدُهَا مِلْكاً لِلْبَائِعِ ؛ فَإِنَّمَا وَطِئَ مَنْ يَعْتَقِدُهَا زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ ، أَوْ أَمَتَهُ الْمَمْلُوكَةَ : فَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ ؛ لِاعْتِقَادِهِ .
وَإِنْ كَانَ اعْتِقَادُهُ مُخْطِئاً ، وَبِهَذَا قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ .
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَطِئُوا وَجَاءَهُمْ أَوْلَادٌ لَوْ كَانُوا قَدْ وَطِئُوا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ مُتَّفَقٍ عَلَى فَسَادِهِ ، وَكَانَ الطَّلَاقُ وَقَعَ بِهِمْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُمْ وَطِئُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ ؛ لِإِفْتَاءِ مَنْ أَفْتَاهُمْ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ : كَانَ نَسَبُ الْأَوْلَادِ بِهِمْ لَاحِقاً ، وَلَمْ يَكُونُوا أَوْلَادَ زِناً ؛ بَلْ يَتَوَارَثُونَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
هَذَا فِي الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ فَكَيْفَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِي فَسَادِهِ ؟ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الَّذِي وَطِئَ بِهِ قَوْلاً ضَعِيفاً : كَمَنْ وَطِئَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَوْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ ؛ فَإِنَّ هَذَا إذَا وَطِئَ فِيهِ يَعْتَقِدُهُ نِكَاحاً لَحِقَهُ فِيهِ النَّسَبُ ، فَكَيْفَ بِنِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، وَقَدْ ظَهَرَتْ حُجَّةُ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 326
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٦