وَالثَّالِثُ : صِيغَةُ تَعْلِيقٍ .
فَهَذِهِ إنْ قَصَدَ بِهَا الْيَمِينَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الثَّانِي بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ .
وَأَمَّا إنْ قَصَدَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الشَّرْطِ : مِثْلُ أَنْ يَخْتَارَ طَلَاقَهَا إذَا أَعْطَتْهُ الْعِوَضَ ، فَيَقُولُ : إنْ أَعْطَيْتنِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ .
وَيَخْتَارُ طَلَاقَهَا إذَا أَتَتْ كَبِيرَةً ، فَيَقُولُ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ زَنَيْت ، أَوْ سَرَقْت .
وَقَصْدُهُ الْإِيقَاعُ عِنْدَ الصِّفَةِ ؛ لَا الْحَلِفُ : فَهَذَا يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِالصِّفَةِ رُوِيَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ : كَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَكَثِيرٍ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ : وَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَمَا عَلِمْت أَحَداً نَقَلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّ الطَّلَاقَ بِالصِّفَةِ لَا يَقَعُ ، وَإِنَّمَا عُلِمَ النِّزَاعُ فِيهِ عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ ، وَعَنْ ابْنِ حَزْمٍ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ .
وَهَؤُلَاءِ الشِّيعَةُ بَلَغَتْهُمْ فَتَاوَى عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ فِيمَنْ قَصْدُهُ الْحَلِفُ : فَظَنُّوا أَنَّ كُلَّ تَعْلِيقٍ كَذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْجُمْهُورِ بَلَغَتْهُمْ فَتَاوَى عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِيمَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَهَا : فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ يَمِينٌ .
وَجَعَلُوا كُلَّ تَعْلِيقٍ يَمِيناً ، كَمَنْ قَصْدُهُ الْيَمِينُ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ ، وَاَلَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِيقَاعُ ؛ كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ أُولَئِكَ بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِ الطَّلَاقِ .
وَمَا عَلِمْت أَحَداً مِنْ الصَّحَابَةِ أَفْتَى فِي الْيَمِينِ بِلُزُومِ الطَّلَاقِ .
كَمَا لَمْ أَعْلَمْ أَحَداً مِنْهُمْ أَفْتَى فِي التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ ، حَتَّى قَالَ بِهِ دَاوُد وَأَصْحَابُهُ .
فَفَرَّقُوا بَيْنَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ وَاَلَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِيقَاعُ ، كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي تَعْلِيقِ النَّذْرِ وَغَيْرِهِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ الْحَالِفَ يَكْرَهُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ وَإِنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ ، كَقَوْلِ الْمُسْلِمِ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ : فَهُوَ يَكْرَهُ الْكُفْرَ وَإِنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ ؛ إنَّمَا الْتِزَامُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ ، وَلِيَمْتَنِعَ بِهِ مِنْ الشَّرْطِ ؛ لَا لِقَصْدِ وُجُودِهِ عِنْدَ الصِّفَةِ .
وَهَكَذَا الْحَلِفُ بِالْإِسْلَامِ لَوْ قَالَ الذِّمِّيُّ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ .
وَالْحَالِفُ بِالنَّذْرِ وَالْحَرَامِ وَالظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ ، وَنِسَائِي طَوَالِقُ ، وَمَالِي صَدَقَةٌ فَهُوَ يَكْرَهُ هَذَا اللَّوَازِمَ وَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهَا لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ الشَّرْطِ ؛ لَا لِقَصْدِ وُقُوعِهَا ، وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَالتَّعْلِيقُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِيقَاعُ مِنْ بَابِ الْإِيقَاعِ ، وَاَلَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ مِنْ بَابِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 246
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٦