تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
يَقُولَ : عَلَيَّ نَذْرٌ . فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ . وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ : إنْ فَعَلْته فَعَلَيَّ نَذْرٌ . فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . فَفَرَّقَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ نَذْرِ الطَّلَاقِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ بِنَذْرِ الطَّلَاقِ . وَأَحْمَدَ عِنْدَهُ عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ : أَنَّ نَذْرَ الطَّلَاقِ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَالْحَلِفُ بِنَذْرِهِ عَلَيْهِ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَجَعَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ فِي نَذْرِ جَمِيعِ الْمُبَاحَاتِ ؛ لَكِنَّ قَوْلَهُ : الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ ، فِيهِ صِيغَةُ إيقَاعٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، فَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ النَّذْرَ فَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَهُ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ : إنَّ هَذِهِ يَمِينٌ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَجْرِي فِيهَا مَا يَجْرِي فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحِنْثِ ؛ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْحَالِفُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ فَلَهُ أَنْ يُوقِعَهُ وَلَا كَفَّارَةَ . وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ : كَطَاوُوسٍ ، وَغَيْرِهِ . وَهُوَ مُقْتَضَى الْمَنْقُولِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِهِ يُفْتِي كَثِيرٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، حَتَّى يُقَالَ : إنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ مَنْ يُفْتِي بِذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى نُصُوصِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأُصُولُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ . وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِذَا كَرَّرَ الْيَمِينَ الْمُكَفِّرَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ : فَهَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ؟ أَوْ كَفَّارَاتٌ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . أَشْهَرُهُمَا عَنْهُ تُجْزِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ حَكَاهَا ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ ، كَمَا حَكَوْهَا فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ وَغَيْرِهِمَا ، فَإِذَا قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ : فَفِيهَا الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ ؛ لَكِنْ هُنَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ : إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ ، كَمَا قَالُوا ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ . فَيَصِحُّ نَذْرُهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ . وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ . وَرَوَوْهُ أَيْضاً عَنْ عَائِشَةَ . وَأُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ : كَطَاوُوسٍ وَعَطَاءٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ صَحَابِيٍّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ ؛ لَا فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ ، وَلَا فِي الْحَلِفِ بِالْعَتَاقِ ؛ بَلْ إذَا قَالَ الصَّحَابَةُ : إنَّ