وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } .
وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فِي الصَّحِيحِ ، أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ } .
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ [ أَيْمَانَ ] جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَفْظاً وَمَعْنًى ؛ وَلَمْ يَخُصَّهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ ؛ بَلْ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ تُحَقِّقُ عُمُومَهُ .
وَالْيَمِينُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ نَوْعَانِ : نَوْعٌ مُحْتَرَمٌ مُنْعَقِدٌ مُكَفَّرٌ ، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ .
وَنَوْعٌ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ ، وَلَا مُنْعَقِدٌ ، وَلَا مُكَفَّرٌ .
وَهُوَ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ .
فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَفِيهَا الْكَفَّارَةُ .
وَهِيَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ الثَّانِي .
وَأَمَّا إثْبَاتُ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ ؛ غَيْرِ مُكَفَّرَةٍ فَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
وَتَقْسِيمُ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ إلَى يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ وَغَيْرِ مُكَفَّرَةٍ كَتَقْسِيمِ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ إلَى خَمْرٍ ، وَغَيْرِ خَمْرٍ .
وَتَقْسِيمِ السَّفَرِ إلَى طَوِيلٍ وَقَصِيرٍ .
وَتَقْسِيمِ الْمَيْسِرِ إلَى مُحَرَّمٍ وَغَيْرِ مُحَرَّمٍ ؛ بَلْ الْأُصُولُ تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ .
وَبَسْطُ الْكَلَامِ لَهُ مَوْضُوعٌ آخَرُ .
لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ الثَّالِثَ ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ الْكَفَّارَةِ فِي جَمِيعِ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي لَا تَتَنَاقَضُ ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ : إمَّا فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ .
وَإِمَّا فِي بَعْضِهَا .
وَتَعْلِيلِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَمِينٌ .
وَالتَّعْلِيلُ بِذَلِكَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ .
وَالصِّيَغُ ثَلَاثَةٌ : صِيغَةُ تَنْجِيزٍ : كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .
فَهَذِهِ لَيْسَتْ يَمِيناً ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي هَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
وَالثَّانِي : صِيغَةُ قَسَمٍ ، كَمَا إذَا قَالَ : الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَن كَذَا .
فَهَذِهِ يَمِينٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 245
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤٥