أَنَّهُ قَالَ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ : تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت ، وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت ؛ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ ؛ وَلَا تُقَبِّحْ ؛ وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ } .
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَنَّ لِلزَّوْجَةِ مَرَّةً أَنْ تَأْخُذَ كِفَايَةَ وَلَدِهَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَقَالَ فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي خَطَبَهَا يَوْمَ أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ فِي أَكْبَرِ مَجْمَعٍ كَانَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ : { لَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .
وَقَالَ لِلسَّائِلِ الْمُسْتَفْتِي لَهُ عَنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ : { تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت ، وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت } ، لَمْ يَأْمُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ ؛ لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ تَارَةً ، وَبِالْمُوَاسَاةِ بِالزَّوْجِ أُخْرَى .
وَهَكَذَا قَالَ فِي نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { هُمْ إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ؛ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ؛ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ؛ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ } .
فَفِي الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ أَمْرُهُ وَاحِدٌ : تَارَةً يَذْكُرُ أَنَّهُ يَجِبُ الرِّزْقُ وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ .
وَتَارَةً يَأْمُرُ بِمُوَاسَاتِهِمْ بِالنَّفْسِ .
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَ الْمَعْرُوفَ هُوَ الْوَاجِبُ ، وَالْمُوَاسَاةُ مُسْتَحَبَّةٌ .
وَقَدْ يُقَالُ أَحَدُهُمَا تَفْسِيرٌ لِلْآخَرِ .
وَعَلَى هَذَا فَالْوَاجِبُ هُوَ الرِّزْقُ وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ فِي النَّوْعِ ، وَالْقَدْرِ ، وَصِفَةِ الْإِنْفَاقِ .
وَإِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 230
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٠