أَحْمَدَ { أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ وَاحِدَةٌ } .
وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ خِلَافُ هَذِهِ السُّنَّةِ ، بَلْ مَا يُخَالِفُهَا إمَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ ؛ بَلْ مَرْجُوحٌ .
وَإِمَّا إنَّهُ صَحِيحٌ لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، كَمَا قَدْ بُسِطَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
الطَّلَاقُ مِنْهُ طَلَاقُ سُنَّةٍ أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَطَلَاقُ بِدْعَةٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ .
فَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا ، أَوْ يُطَلِّقَهَا حَامِلاً قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا .
فَإِنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ ، أَوْ وَطِئَهَا وَطَلَّقَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا فَهَذَا طَلَاقٌ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ .
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ : هَلْ يَلْزَمُ ؟ أَوْ لَا يَلْزَمُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ .
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثاً بِكَلِمَةٍ ، أَوْ بِكَلِمَاتٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثاً ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفَ طَلْقَةٍ ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ ، فَهَذَا حَرَامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثاً قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، فَهُوَ أَيْضاً حَرَامٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ : إذَا طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً لَمْ يُطَلِّقْهَا الثَّانِيَةَ حَتَّى يُرَاجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ ، أَوْ يَتَزَوَّجَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بَعْدَ الْعِدَّةِ ، فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا الثَّانِيَةَ وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ ، فَإِذَا طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ .
وَأَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا الثَّلَاثَ طَلَاقاً مُحَرَّماً ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً جُمْلَةً وَاحِدَةً ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ .
وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ ، وَيَنْكِحَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بَعْدَ الْعِدَّةِ .
وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 225
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢٥