تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
لِيَقْتُلَهُ ، فَمَنَعَهُ عَنْهُ ، وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ ، عَلَى مَعْنَى الْكَرَامَةِ لَهُ ، فَلَدَغَهُ الثُّعْبَانُ فَمَاتَ . فَهَلْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ؟ أَمْ لَا ؟ الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنْ يَتْرُكُوا الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا ، وَنَحْوِهِ ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ كَمَا { امْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ ، وَعَلَى الْغَالِّ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ } . وَقَالُوا لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ : إنَّ ابْنَك الْبَارِحَةَ لَمْ يَبِتْ ، فَقَالَ : بَشَماً ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَّا إنَّهُ لَوْ مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ . فَبَيَّنَ سَمُرَةَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ بَشَماً لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَاتِلاً لِنَفْسِهِ بِكَثْرَةِ الْأَكْلِ . فَهَذَا الَّذِي مَنَعَ مِنْ قَتْلِ الْحَيَّةِ ، وَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ ، أَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ قَاتِلٌ نَفْسَهُ ، بَلْ لَوْ فَعَلَ هَذَا غَيْرُهُ بِهِ لَوَجَبَ الْقَوَدُ عَلَيْهِ . وَإِنْ قِيلَ : إنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَقْتُلُ ، فَهَذَا شَبِيهُ عَمَلِهِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَكَلَ حَتَّى بَشِمَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ ، فَمَنْ جَنَى جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِباً ، كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ ، وَإِمْسَاكُ الْحَيَّاتِ مِنْ نَوْعِ الْجِنَايَاتِ ، فَإِنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مُبَاحٍ . وَهَذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَذَا الْفِعْلِ إلَّا إظْهَارُ خَارِقِ الْعَادَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَمْنَعُ انْخِرَاقَ الْعَادَةِ . كَيْفَ وَغَالِبُ هَؤُلَاءِ كَذَّابُونَ مُلْبِسُونَ خَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَهْيِهِ ، يُخْرِجُونَ النَّاسَ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ إلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ ، وَيُفْسِدُونَ عَقْلَ النَّاسِ وَدِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ ، فَيَجْعَلُونَ الْعَاقِلَ مُولِهاً كَالْمَجْنُونِ ، أَوْ مُتَوَلِّهاً بِمَنْزِلَةِ الشَّيْطَانِ الْمَفْتُونِ ، وَيُخْرِجُونَ الْإِنْسَانَ عَنْ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بِدَعٍ مُضَادَّةٍ لَهَا ، فَيَفْتِلُونَ الشُّعُورَ وَيَكْشِفُونَ الرُّؤُوسَ ، بَدَلاً عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَرْجِيلِ الشَّعْرِ ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ ، بَدَلاً عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ ، وَيُصَلُّونَ صَلَاةً نَاقِصَةَ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى بِدَعِهِمْ الْمُنْكَرَةِ عَلَى أَتَمِّ الْحَالَاتِ ، وَيَصْنَعُونَ اللَّاذَنَ ، وَمَاءَ الْوَرْدِ . وَالزَّعْفَرَانَ ، لِإِمْسَاكِ الْحَيَّاتِ ، وَدُخُولِ النَّارِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْحِيَلِ الطَّبِيعِيَّةِ ، وَالْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةَ بَدَلاً عَمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 21 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا