تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
مِنْ الْمُنَاكَحَةِ ، وَالْمُوَارَثَةِ . وَتَغْسِيلِهِ ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لَكِنْ مَنْ عُلِمَ مِنْهُ النِّفَاقُ وَالزَّنْدَقَةُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ مُظْهِراً لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّ اللَّهَ نَهَى نَبِيَّهُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ . فَقَالَ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } وَقَالَ : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } . وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُظْهِراً لِلْفِسْقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ ، فَهَؤُلَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ . وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَحَدِهِمْ زَجْراً لِأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ مَا فَعَلَهُ ، كَمَا امْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ ، وَعَلَى الْغَالِّ ، وَعَلَى الْمَدِينِ الَّذِي لَا وَفَاءَ لَهُ ، وَكَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ - كَانَ عَمَلُهُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ حَسَناً . وَقَدْ قَالَ لِجُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ابْنُهُ : إنِّي لَمْ أَنَمْ الْبَارِحَةَ بَشَماً ، فَقَالَ : أَمَا إنَّك لَوْ مِتّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْك . كَأَنَّهُ يَقُولُ : قَتَلْت نَفْسَك بِكَثْرَةِ الْأَكْلِ . وَهَذَا مِنْ جِنْسِ هَجْرِ الْمُظْهِرِينَ لِلْكَبَائِرِ حَتَّى يَتُوبُوا ، فَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ كَانَ ذَلِكَ حَسَناً ، وَمَنْ صَلَّى عَلَى أَحَدِهِمْ يَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللَّهِ ، وَلَمْ يَكُنْ امْتِنَاعُهُ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً ، كَانَ ذَلِكَ حَسَناً ، وَلَوْ امْتَنَعَ فِي الظَّاهِرِ وَدَعَا لَهُ فِي الْبَاطِنِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ كَانَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا . وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ النِّفَاقُ وَهُوَ مُسْلِمٌ يَجُوزُ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، بَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ ، وَيُؤْمَرُ بِهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } وَكُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْكَبَائِرَ فَإِنَّهُ تُسَوَّغُ عُقُوبَتُهُ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ ، حَتَّى مِمَّنْ فِي هَجْرِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ رَاجِحَةٌ فَتَحْصُلُ الْمَصَالِحُ الشَّرْعِيَّةُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .