الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلاً لِلشَّافِعِيِّ ؛ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِهِ .
وَقِيلَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِحَالٍ ، كَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد ، وَابْنِ حَزْمٍ .
وَهَكَذَا تَنَازَعُوا عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيمَنْ حَلَفَ بِالْعَتَاقِ أَوْ الطَّلَاقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئاً كَقَوْلِهِ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ ، أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ .
هَلْ يَقَعُ ذَلِكَ إذَا حَنِثَ ، أَوْ يُجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، أَوْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ ؛ بَلْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةٌ ؛ وَلَكِنْ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
" أَحَدُهُمَا " يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي وَصَلَ إلَيْنَا فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ .
وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، " وَالثَّانِي " لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
فَصْلٌ :
وَأَمَّا إذَا قَالَ : إنْ فَعَلْته فَعَلَيَّ إذاً عِتْقُ عَبْدِي .
فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ ؛ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقِيلَ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَقَوْلُ دَاوُد ، وَابْنِ حَزْمٍ .
وَقِيلَ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّكْفِيرِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا .
وَقِيلَ : يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَيْناً ؛ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ فِيمَا بَلَغَنَا بَعْدَ كَثْرَةِ الْبَحْثِ ، وَتَتَبُّعِ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ؛ بَلْ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ إمَّا ضَعِيفٌ ؛ بَلْ كَذِبٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلاً عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ عَلَى عَهْدِهِمْ ؛ وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ أَنْ يُجْزِيَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، كَمَا إذَا قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ هَؤُلَاءِ نَقِيضُ هَذَا الْقَوْلِ .
وَأَنَّهُ يُعْتَقُ .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى أَسَانِيدِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَمَنْ قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ : إنَّهُ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ التَّابِعِينَ .
وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ ظَنَّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا نِزَاعَ فِيهِ فَاضْطَرَّهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ عَكَسَ مُوجَبَ الدَّلِيلِ فَقَالَ : يَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ دُونَ الْعَتَاقِ ، وَقَدْ بَسَطَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 208
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٠٨