تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي مِلْكٍ ، وَلَهَا زَوْجٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْحَرْبِ ، أَنَّ نِكَاحَ زَوْجِهَا قَدْ انْفَسَخَ ، وَحَلَّ لِمَالِكِهَا وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَأَمَّا إذَا سُبِيَتْ مَعَ زَوْجِهَا فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَامَّةَ السَّبْيِ الَّذِي كَانَ يَسْبِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي الْحَرْبِ . وَقَدْ قَاتَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ خَرَجَ لِقِتَالِ النَّصَارَى عَامَ تَبُوكَ ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ السَّرِيَّةَ الَّتِي أَمَّرَ عَلَيْهَا زَيْداً ثُمَّ جَعْفَراً ، ثُمَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ فِي النَّصَارَى الْعَرَبُ وَالرُّومُ . وَكَذَلِكَ قَاتَلَ الْيَهُودَ بِخَيْبَرَ ، وَالنَّضِيرِ ، وَقَيْنُقَاعَ ، وَكَانَ فِي يَهُودِ الْعَرَبِ وَبَنِي إسْرَائِيلَ ، وَكَذَلِكَ يَهُودُ الْيَمَنِ كَانَ فِيهِمْ الْعَرَبُ وَبَنُو إسْرَائِيلَ . وَأَيْضاً فَسَبَبُ الِاسْتِرْقَاقِ هُوَ الْكُفْرُ بِشَرْطِ الْحَرْبِ ، فَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ لَا يُسْتَرَقُّ بِحَالٍ ، وَالْمُعَاهَدُ لَا يُسْتَرَقُّ ، وَالْكُفْرُ مَعَ الْمُحَارَبَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ كَافِرٍ ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ ، كَمَا يَجُوزُ قِتَالُهُ ، فَكُلُّ مَا أَبَاحَ قَتْلَ الْمُقَاتِلَةِ أَبَاحَ سَبْيَ الذُّرِّيَّةِ ، وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ مِنْ قَوْلَيْهِ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ اخْتَصُّوا بِشَرَفِ النَّسَبِ ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ ، وَاخْتَصَّ كُفَّارُهُمْ بِفَرْطِ عَدَاوَتِهِ ، فَصَارَ ذَلِكَ مَانِعاً مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ . كَمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لِلتَّغْلِيظِ ، وَلِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّرَفِ بِالْإِسْلَامِ السَّابِقِ ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى عَرَبِيٍّ مِلْكٌ ، وَاَلَّذِينَ نَازَعُوهُ لَهُمْ قَوْلَانِ فِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ مَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ : إحْدَاهُمَا : أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ كَأَخْذِ الْجِزْيَةِ ، فَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لَا يُسْتَرَقُّ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، وَالْقَاضِي ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ كَافِرٍ إلَّا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِكَوْنِ الْجِزْيَةِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ ، وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَجَمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ : إنَّ الْعَرَبَ لَا يُسْتَرَقُّونَ .