تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
الْغَانِمِينَ ، فَصَارُوا رَقِيقاً لَهُمْ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ أَخْذَهُمْ مِنْهُمْ ، إمَّا تَبَرُّعاً وَإِمَّا مُعَاوَضَةً ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ ، لَمَّا اعْتَكَفَ وَبَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ السَّبْيَ ، فَأَعْتَقَ جَارِيَةً كَانَتْ عِنْدَهُ ، وَالْمُسْلِمُونَ كَانُوا يَطَئُونَ ذَلِكَ السَّبْيَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، كَمَا فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ ، وَهُوَ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهِ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } . وَفِي الْمُسْنَدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَوَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ كَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا ، وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مَلَاحَةً ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك ، وَجِئْتُك أَسْتَعِينُك عَلَى كِتَابَتِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَك فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَقْضِي كِتَابَتَك وَأَتَزَوَّجُك ، قَالَتْ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : قَدْ فَعَلْت . قَالَتْ : وَخَرَجَ الْخَبَرُ إلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ، فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ ، قَالَتْ : فَقَدْ عَتَقَ بِتَزَوُّجِهِ إيَّاهَا مِائَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا } . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَنَحْوُهَا مَشْهُورٌ بَلْ مُتَوَاتِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْبِي الْعَرَبَ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ ، كَمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُهُمْ : سَبَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَرَبَ ، وَسَبَى أَبُو بَكْرٍ بَنِي نَاجِيَةَ ، كَانَ يُطَارِدُ الْعَرَبَ بِذَلِكَ الِاسْتِرْقَاقِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَغَيْرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمَسْبِيَّاتِ ، أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمْ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَإِذَا سُبِيَتْ وَاسْتُرِقَّتْ بِدُونِ زَوْجِهَا جَازَ وَطْؤُهَا بِلَا رَيْبٍ ، وَإِنَّمَا فِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَحُكِيَ الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 113 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا