جَوَازِ وَطْءِ الْوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَفِي هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ ، وَالصَّحَابَةُ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَادَ لَمْ يَكُونُوا يَمْتَنِعُونَ عَنْ وَطْءِ النَّصْرَانِيَّاتِ .
فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَجُوسِيَّةُ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمَجُوسَ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا وُجُوهٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يُقَالَ : لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَحِلَّ طَعَامُهُ وَلَا نِسَاؤُهُ ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَفِيهَا نِزَاعٌ شَاذٌّ ، فَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } .
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ كَرَاهَةَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ، وَمَنْعاً لَأَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ، وَدَفْعاً لَأَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ طَائِفَتَيْنِ لَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ كَذِباً ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَانِعٍ مِنْ قَوْلِهِ .
وَأَيْضاً فَإِنَّهُ قَالَ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فَذَكَرَ الْمِلَلَ السِّتَّ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَلَمَّا ذَكَرَ الْمِلَلَ الَّتِي فِيهَا سَعِيدٌ قَالَ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً } فِي مَوْضِعَيْنِ ، فَلَمْ يَذْكُرْ الْمَجُوسَ وَلَا الْمُشْرِكِينَ ، فَلَوْ كَانَ فِي هَاتَيْنِ الْمِلَّتَيْنِ سَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ ، كَمَا فِي الصَّابِئِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَذَكَرَهُمْ ، فَلَوْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ لَكَانُوا قَبْلَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 108
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٨