تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَانِعَ إمَّا الْكُفْرُ وَإِمَّا الرِّقُّ ، وَهَذَا الْكُفْرُ لَيْسَ بِمَانِعٍ ، وَالرِّقُّ لَيْسَ مَانِعاً مِنْ الْوَطْءِ بِالْمِلْكِ ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعاً مِنْ التَّزَوُّجِ ، فَإِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلْوَطْءِ قَائِماً ، وَالْمَانِعُ مُنْتَفِياً جَازَ الْوَطْءُ ، فَهَذَا الْوَجْهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى قِيَاسِ التَّمْثِيلِ ، وَعَلَى قِيَاسِ الْأَوْلَى ، وَيُخْرَجُ مِنْهُ وَجْهٌ رَابِعٌ يَجْعَلُ قِيَاسَ التَّعْلِيلِ ، فَيُقَالُ : الرِّقُّ مُقْتَضًى لِجَوَازِ وَطْءِ الْمَمْلُوكَةِ ، كَمَا نَبَّهَ النَّصُّ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ كَقَوْلِهِ : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْوَطْءُ بِسَبَبٍ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ ، بِأَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً بِالرَّضَاعِ أَوْ بِالطُّهْرِ أَوْ بِالشِّرْكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهَا مَا يَصْلُحُ لِلْمَنْعِ إلَّا كَوْنُهَا كِتَابِيَّةً ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَانِعٍ ، فَإِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلْحِلِّ قَائِماً ، وَالْمَانِعُ الْمَذْكُورُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضاً ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ بَعْدَ تَمَامِ تَصَوُّرِهَا تُوجِبُ الْقَطْعَ بِالْحِلِّ . الْوَجْهُ الْخَامِسُ : أَنَّ مَنْ تَدَبَّرَ سِيَرَ الصَّحَابَةِ ، وَالسَّلَفِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ ، وَجَدَ آثَاراً كَثِيرَةً تُبَيِّنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ مَانِعاً ، بَلْ هَذِهِ كَانَتْ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةَ خُلَفَائِهِ ، مِثْلُ الَّذِي كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ ، وَكَانَتْ تَسُبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَقْتُلُهَا ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ ، وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ مُسْلِمَةً ، لَكِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَدْ يُقَالُ : إنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَائِلِ مَقْدِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ يَحْرُمُ نِكَاحُ الْمُشْرِكَاتِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } ، وَطَلَّقَ عُمَرُ امْرَأَتَهُ كَانَتْ بِمَكَّةَ . وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ فَلَا يُعْلَمُ تَارِيخُ نُزُولِهَا ، وَفِي الْبَقَرَةِ مَا نَزَلَ مُتَأَخِّراً كَآيَاتِ الزِّنَا ، وَفِيهَا مَا نَزَلَ مُتَقَدِّماً كَآيَاتِ الصِّيَامِ ، وَمِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا أَرَادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ ، قَالَ لِلْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ : هَلْ لَك فِي نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ فَقَالَ : ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ، وَمِثْلُ فَتْحِهِ لِخَيْبَرِ ، وَقَسْمِهِ لِلرَّقِيقِ ، وَلَمْ يَنْهَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ وَطْئِهِنَّ حَتَّى يُسْلِمْنَ } ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِبْرَاءِ . بَلْ مَنْ يُبِيحُ وَطْءَ الْوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَا جَرَى يَوْمَ أَوْطَاسٍ مِنْ قَوْلِهِ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } عَلَى