أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَا الْجَمْعُ ، وَلَا الْقَصْرُ .
وَالثَّانِي : يُبَاحُ الْجَمْعُ دُونَ الْقَصْرِ .
وَالثَّالِثُ : يُبَاحُ الْجَمْعُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ خَاصَّةً لِلْمَكِّيِّ ، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ قَصِيراً .
وَالرَّابِعُ : يُبَاحُ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ .
وَالْخَامِسُ : يُبَاحُ ذَلِكَ مُطْلَقاً .
وَاَلَّذِي يَجْمَعُ لِلسَّفَرِ هَلْ يُبَاحُ لَهُ الْجَمْعُ مُطْلَقاً ، أَوْ لَا يُبَاحُ لَهُ إلَّا إذَا كَانَ مُسَافِراً ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ مُقِيماً أَوْ مُسَافِراً ، وَلِهَذَا نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ إذَا كَانَ لَهُ شُغْلٌ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كُلُّ عُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ يُبِيحُ الْجَمْعَ ، وَلِهَذَا يَجْمَعُ لِلْمَطَرِ ، وَالْوَحْلِ ، وَلِلرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الْبَارِدَةِ ؛ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَيَجْمَعُ الْمَرِيضُ وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَالْمُرْضِعُ ، فَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ بِالْمُسَافِرِ ، جَمَعَ سَوَاءٌ كَانَ سَفَرُهُ طَوِيلاً أَوْ قَصِيراً ، كَمَا مَضَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
يَجْمَعُ النَّاسَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، الْمَكِّيَّ وَغَيْرَ الْمَكِّيِّ ، مَعَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَفَرُهُمْ قَصِيرٌ .
وَكَذَلِكَ جَمَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمَتَى قَصَرُوا يَقْصُرُ خَلْفَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَعَرَفَةُ مِنْ مَكَّةَ بَرِيدٌ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ كَأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ : إنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِهِ : أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ إنَّهُ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَقِّتْ لِلْقَصْرِ مَسَافَةً ، وَلَا وَقْتاً ، وَقَدْ قَصَرَ خَلْفَهُ أَهْلُ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي الدَّلِيلِ .
وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سَفَراً ، مِثْلَ أَنْ يَتَزَوَّدَ لَهُ ، وَيَبْرُزَ لِلصَّحْرَاءِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مِثْلِ دِمَشْقَ ، وَهُوَ يَنْتَقِلُ مِنْ قُرَاهَا الشَّجَرِيَّةِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ كَمَا يَنْتَقِلُ مِنْ الصَّالِحِيَّةِ إلَى دِمَشْقَ ، فَهَذَا لَيْسَ بِمُسَافِرٍ ، كَمَا أَنَّ مَدِينَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْقُرَى الْمُتَقَارِبَةِ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ نَخِيلُهُمْ وَمَقَابِرُهُمْ وَمَسَاجِدُهُمْ ، قُبَاءَ وَغَيْرُ قُبَاءَ وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُ الْخَارِجِ إلَى قُبَاءَ سَفَراً ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَقْصُرُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 341
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤١