تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
الْبِدَعِ ، وَلَا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ ، وَلَا يُهْجَرُ ، وَلَا يُوسَمُ بِمِيسَمٍ مَذْمُومٍ أَصْلاً ؛ بَلْ لَوْ تَرَكَ الرَّجُلُ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهَا كَتَطْوِيلِ قِيَامِ اللَّيْلِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَوِّلُهُ ، وَكَقِيَامِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً . كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَارِجاً عَنْ السُّنَّةِ ، وَلَا مُبْتَدِعاً وَلَا مُسْتَحِقّاً لِلذَّمِّ ، مَعَ اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً طَوِيلَةً . كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ أَفْضَلُ ، مِنْ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ وَيُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ . فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ صَارَ يُصَلِّي تِسْعاً يَجْلِسُ عَقِيبَ الثَّامِنَةِ - وَالتَّاسِعَةِ ، وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا عَقِيبَ التَّاسِعَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، ثُمَّ صَارَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ ، وَبِخَمْسٍ ، فَإِذَا أَوْتَرَ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا عَقِيبَ الْخَامِسَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ } . وَإِذَا أَوْتَرَ بِسَبْعٍ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ إلَّا عَقِيبَ السَّابِعَةِ ، وَرُوِيَ : أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ عَقِيبَ السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ . وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا ، فَكَيْفَ يُقَالُ : إنَّ مَنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ . وَالْعُلَمَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِيهَا : هَلْ تُشْرَعُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : إنَّهَا لَا تُشْرَعُ بِحَالٍ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً } . وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَأَوَّلَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَكِنَّ الْأَحَادِيثَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ . وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ : أَنْ كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ ، فَظَنَّ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ الْمُرَادَ سَجْدَتَانِ مُجَرَّدَتَانِ فَكَانُوا يَسْجُدُونَ بَعْدَ الْوِتْرِ سَجْدَتَيْنِ مُجَرَّدَتَيْنِ ، وَهَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ وَلَا فَعَلَهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ . وَإِنَّمَا غَرَّهُمْ لَفْظُ السَّجْدَتَيْنِ ، وَالْمُرَادُ بِالسَّجْدَتَيْنِ الرَّكْعَتَانِ ، كَمَا قَالَ { ابْنُ عُمَرَ : حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَسَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ } : أَيْ رَكْعَتَيْنِ . وَلَعَلَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ : هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِساً ، نِسْبَتُهَا إلَى وِتْرِ اللَّيْلِ : نِسْبَةُ رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ إلَى وِتْرِ النَّهَارِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 243 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا