وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ ، وَلَا تَكْرِيرُ التَّكَلُّمِ بِهَا ؛ بَلْ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالنِّيَّةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَلَمْ يُخَالِفْ إلَّا بَعْضُ شُذُوذِ الْمُتَأَخِّرِينَ .
145 - 61 مَسْأَلَةٌ : فِي رَجُلٍ حَنَفِيٍّ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ، وَأَسَرَّ نِيَّتَهُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقِيهُ الْجَمَاعَةِ ، وَقَالَ لَهُ : هَذَا لَا يَجُوزُ فِي مَذْهَبِك وَأَنْتَ مُبْتَدِعٌ فِيهِ ، وَأَنْتَ مُذَبْذَبٌ ، لَا بِإِمَامِك اقْتَدَيْت ، وَلَا بِمَذْهَبِك اهْتَدَيْت .
فَهَلْ مَا فَعَلَهُ نَقْصٌ فِي صَلَاتِهِ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ وَلِإِمَامِهِ أَمْ لَا ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .
أَمَّا الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ إسْرَارَهُ بِالنِّيَّةِ فَهُوَ جَاهِلٌ فَإِنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ ، لَا فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَا أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ وَمَنْ جَهَرَ بِالنِّيَّةِ فَهُوَ مُخْطِئٌ ، مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ ؛ بَلْ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إذَا نَوَى بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ بِالنِّيَّةِ لَا سِرّاً وَلَا جَهْراً كَانَتْ صَحِيحَةً ، وَلَا يَجِبُ التَّكَلُّمُ بِالنِّيَّةِ .
لَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّة ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَمَّا ذَكَرَ وَجْهاً مُخَرَّجاً : أَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّيَّةِ وَاجِبٌ .
غَلَّطَهُ بَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ ، وَقَالُوا : إنَّمَا أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ النُّطْقَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ ، لَا بِالنِّيَّةِ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ النُّطْقَ بِالنِّيَّةِ لَا يَجِبُ ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُ ؛ بَلْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ : هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ سِرّاً ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ : يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ ، لَا الْجَهْرُ بِهَا ، وَلَا يَجِبُ التَّلَفُّظُ ، وَلَا الْجَهْرُ .
وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ : بَلْ لَا يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ ، لَا سِرّاً وَلَا جَهْراً ، كَمَا لَا يَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَتَلَفَّظُونَ بِالنِّيَّةِ ، لَا سِرّاً وَلَا جَهْراً } وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 103
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٣