تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهَا فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ، أَوْ الصِّيَامِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا مَعَ الْفُجُورِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ عِبَادَهُ بِأَمْرٍ لَا يُمْكِنُ إلَّا مَعَ الْفُجُورِ ، فَإِنَّ الزِّنَا لَا يُبَاحُ بِالضَّرُورَةِ ، كَمَا يُبَاحُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وَلَكِنْ إذَا أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ يُفْعَلَ بِهَا ، وَلَا تَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ ، فَهَذِهِ لَا فِعْلَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ بِالْإِكْرَاهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ : إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ إلَّا الْأَقْوَالُ دُونَ الْأَفْعَالِ . وَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ : إنَّ الْمُكْرَهَةَ عَلَى الزِّنَا ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ مَعْفُوٌّ عَنْهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . وَأَمَّا الرَّجُلُ الزَّانِي فَفِيهِ قَوْلَانِ ، فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْإِكْرَاهِ هَلْ يَمْنَعُ مِنْ الِانْتِشَارِ أَمْ لَا ؟ فَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ قَوْلَانِ : لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُكْرَهاً عَلَى الزِّنَا ، وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ الْعَبْدَ أَنْ يَفْعَلَ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ يَبْقَى سَاقِطاً ، كَأَنْ يُؤْمَرَ بِالصَّلَاةِ عُرْيَاناً ، وَمَعَ النَّجَاسَةِ ، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ إذَا لَمْ يُطِقْ إلَّا ذَلِكَ ، وَكَمَا يَجُوزُ الطَّوَافُ رَاكِباً وَمَحْمُولاً لِلْعُذْرِ بِالنَّصِّ ، اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ ، وَبِدُونِ ذَلِكَ فَفِيهِ نِزَاعٌ . وَكَمَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرْضِ لِلْمَرِيضِ قَاعِداً ، أَوْ رَاكِباً ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ بِدُونِ الْعُذْرِ ، مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، وَالصَّلَاةَ عُرْيَاناً ، وَبِدُونِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَفِي الثَّوْبِ النَّجِسِ حَرَامٌ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ مَعَ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ خَيْراً مِنْ تَرْكِهَا ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْخَوْفِ مَعَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَمَعَ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ مَعَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ ، وَمَعَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْعُذْرِ . فَإِنْ قِيلَ : الطَّوَافُ مَعَ الْحَيْضِ كَالصَّلَاةِ مَعَ الْحَيْضِ ، وَالصَّوْمِ مَعَ الْحَيْضِ ، وَذَلِكَ لَا يُبَاحُ بِحَالٍ قِيلَ : الصَّوْمُ مَعَ الْحَيْضِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ بِحَالٍ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ شَهْرٌ ، وَغَيْرُ