تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّك عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } . وَأَمَّا مَنْ نَظَرَ إلَى الْمُرْدِ ظَانّاً أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْجَمَالِ الْإِلَهِيِّ ، وَجَعَلَ هَذَا طَرِيقاً لَهُ إلَى اللَّهِ ، كَمَا يَفْعَلُهُ طَوَائِفُ مِنْ الْمُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ ، فَقَوْلُهُ هَذَا أَعْظَمُ كُفْراً مِنْ قَوْلِ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ ، وَمِنْ كُفْرِ قَوْمِ لُوطٍ ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ شَرِّ الزَّنَادِقَةِ الْمُرْتَدِّينَ ، الَّذِينَ يَجِبُ قَتْلُهُمْ بِإِجْمَاعِ كُلِّ الْأُمَّةِ ، فَإِنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ قَالُوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى } . وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ اللَّهَ مَوْجُوداً فِي نَفْسِ الْأَصْنَامِ وَحَالّاً فِيهَا فَإِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِظُهُورِهِ وَتَجَلِّيهِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَيْهِ وَآيَاتٌ لَهُمْ ، بَلْ يُرِيدُونَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ ظَهَرَ فِيهَا ، وَتَجَلَّى فِيهَا ، وَيُشَبِّهُونَ ذَلِكَ بِظُهُورِ الْمَاءِ فِي الزُّجَاجَةِ ، وَالزُّبْدِ فِي اللَّبَنِ ، وَالزَّيْتِ فِي الزَّيْتُونِ ، وَالدُّهْنِ فِي السِّمْسِمِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي حُلُولَ نَفْسِ ذَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ أَوْ اتِّحَادِهِ بِهَا فِي جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ نَظِيرُ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ خَاصَّةً ، يَجْعَلُونَ الْمُرْدَ مَظَاهِرَ الْجَمَالِ ، فَيُقِرُّونَ هَذَا الشِّرْكَ الْأَعْظَمَ طَرِيقاً إلَى اسْتِحْلَالِ الْفَوَاحِشِ ، بَلْ إلَى اسْتِحْلَالِ كُلِّ مُحَرَّمٍ . كَمَا قِيلَ لِأَفْضَلِ مُتَأَخِّرِيهِمْ التِّلِمْسَانِيِّ : إذَا كَانَ قَوْلُكُمْ بِأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ هُوَ الْحَقُّ ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أُمِّي وَأُخْتِي ، وَابْنَتِي ؟ تَكُونُ هَذِهِ حَلَالاً ، وَهَذِهِ حَرَاماً ؟ فَقَالَ : الْجَمِيعُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ ، لَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ قَالُوا : حَرَامٌ فَقُلْنَا : حَرَامٌ عَلَيْكُمْ . وَمَنْ هَؤُلَاءِ الْحُلُولِيَّةِ ، وَالِاتِّحَادِيَّةِ مَنْ يَخُصُّ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ بِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ ، إمَّا بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ كَالْمَسِيحِ أَوْ بِبَعْضِ الصَّحَابَةِ ، كَقَوْلِ الْغَالِيَةِ فِي عَلِيٍّ ؛ أَوْ بِبَعْضِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 291 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا