تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ كَمَا لَا يُدْبَغُ ، وَلِهَذَا قَرَنَ مَعَهُ الْعَصَبَ ، وَالْعَصَبُ لَا يُدْبَغُ . فَصْلٌ وَأَمَّا لَبَنُ الْمَيْتَةِ ، وَإِنْفَحَتهَا ، فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ : كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَالثَّانِي : إنَّهُ نَجَسٌ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ . وَعَلَى هَذَا النِّزَاعِ انْبَنَى نِزَاعُهُمْ فِي جُبْنِ الْمَجُوسِ ، فَإِنَّ ذَبَائِحَ الْمَجُوسِ حَرَامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، فَإِذَا صَنَعُوا جُبْناً ، وَالْجُبْنُ يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ ، كَانَ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ . وَالْأَظْهَرُ : أَنَّ إنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا مِنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِراً سَائِغاً بَيْنَهُمْ ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ - وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا ، فَإِنَّ الْمَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ ، وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ كَانَ نَائِبَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى الْمَدَائِنِ ، وَكَانَ يَدْعُو الْفُرْسَ إلَى الْإِسْلَامِ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ السَّمْنِ ، وَالْجُبْنِ ، وَالْفِرَاءِ ، فَقَالَ : { الْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ } . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعاً إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ السُّؤَالُ عَنْ جُبْنِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ بَيِّنٌ . وَإِنَّمَا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَلْمَانَ كَانَ يُفْتِي بِحِلِّهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْقَطَعَ النِّزَاعُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 271 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا