تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَقُولُ : إنَّهُ مَا مِنْ مَسْأَلَةٍ يُسْأَلُ عَنْهَا إلَّا وَقَدْ تَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ فِيهَا أَوْ فِي نَظِيرِهَا ، وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَحْتَجُّونَ فِي عَامَّةِ مَسَائِلِهِمْ بِالنُّصُوصِ ، كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُمْ ، وَكَانُوا يَجْتَهِدُونَ رَأْيَهُمْ ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِالرَّأْيِ ، وَيَحْتَجُّونَ بِالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ أَيْضاً . وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ إلَّا فَرْقاً غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الشَّرْعِ ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ؟ فَقَالَ : { أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ } ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَيْسَ مُخْتَصّاً بِتِلْكَ الْفَأْرَةِ وَذَلِكَ السَّمْنِ . فَلِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ : إنَّ أَيَّ نَجَاسَةٍ وَقَعَتْ فِي دُهْنٍ مِنْ الْأَدْهَانِ كَالْفَأْرَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الزَّيْتِ ، وَكَالْهِرِّ الَّذِي يَقَعُ فِي السَّمْنِ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ تِلْكَ الْفَأْرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي السَّمْنِ . وَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : إنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَدْ أَخْطَأَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخُصَّ الْحُكْمَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ ، لَكِنْ لَمَّا اُسْتُفْتِيَ عَنْهَا أَفْتَى فِيهَا ، وَالِاسْتِفْتَاءُ إذَا وَقَعَ عَنْ قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ عَنْ نَوْعٍ ، فَأَجَابَ الْمُفْتِي عَنْ ذَلِكَ خَصَّهُ لِكَوْنِهِ سُئِلَ عَنْهُ ، لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ . وَمِثْلُ هَذَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مُضَمَّخَةٌ بِخَلُوقٍ ؟ فَقَالَ : { انْزِعْ عَنْك الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْك الْخَلُوقَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا كُنْت تَصْنَعُ فِي حَجِّك } . فَأَجَابَهُ عَنْ الْجُبَّةِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ نَحْوُهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ .