ثالثا : ليس بمحال في المعقول أن تسأل الملائكة في قبورهم وأن يجيبهم الأموات أو يخذلوا جزاء وفاقا بما قدموا ، وليس ببعيد في عظيم قدرة الله تعالى وعجائب سننه الكونية أن ينعم المؤمنين في قبورهم ويعذب الكافرين فيها ، فإن من أمعن النظر في الكون وضح له عموم مشيئة الله ونفاذها وشمول قدرته تعالى وكمالها وأحكام خلقه ودقة تدبيره وإبداعه لما صوره ، وسهل عليه اعتقاد ما وردت به النصوص الصحيحة في سؤال المقبورين ونعيمهم أو عذابهم ، وقد ثبت فيها أن الله تعالى يعيد الروح إلى من مات بعد دفنه إعادة تجعله حيا حياة برزخية وسطا بين حياته في دنياه وحياته بعد أن يبعثه الله يوم القيامة ، وهذه الحياة الوسط بين الحياتين تؤهله لسماع السؤال والإجابة عنه إذا وفق ، وتجعله يحس بالنعيم أو العذاب ، وقد تقدمت الأحاديث في ذلك ، ولله في تدبيره وخلقه شؤون لا تحيط بها العقول لقصورها ، ولا تحيلها بل تحكم بإمكانها وأن كانت تحار في تعليلها وتعجز عن الوقوف على كنهها وحقيقتها وعن معرفة مداها وغاياتها ، فعلى الإنسان إذا عجز عن شيء وخفي عليه أمره أن يتهم نفسه بالقصور ولا يتهم ربه في علمه وحكمته وقدرته وما ذكر في السؤال من الآيات لا يتنافى مع سؤال الميت في القبر ونعيمه أو عذابه ، أما قوله تعالى { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } ( 1 ) { ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } ( 2 ) { فَادْخُلِي فِي عِبَادِي } ( 3 ) { وَادْخُلِي جَنَّتِي } ( 4 ) فإنه خطاب للنفس عند قيام الساعة لا عند خروجها من البدن في الدنيا ، بدليل ما سبق من قوله تعالى في نفس السورة { كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا } ( 5 ) { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } ( 6 ) { وَجِيئَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } ( 7 ) الآيات ، إلى قوله : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } ( 8 ) وسؤال القبر ونعيمه أو عذابه إنما يكون بعد أن يدفن الميت وقبل أن يبعث يوم القيامة أما قوله تعالى { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } ( 9 ) فإخبار من الله تعالى عن قول الكافرين وهم في النار يوم القيامة أنهم كانوا أمواتا قبل نفخ الروح فيهم وهم في الأرحام ثم كانوا أحياء بتقدير الله بنفخ الروح فيهم إلى انتهاء آجالهم في الدنيا ، ثم صاروا أمواتا من حين انتهاء
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 323
مساهمون: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
ص٣٢٣
هامش
( 1 ) سورة الفجر الآية 27
( 2 ) سورة الفجر الآية 28
( 3 ) سورة الفجر الآية 29
( 4 ) سورة الفجر الآية 30
( 5 ) سورة الفجر الآية 21
( 6 ) سورة الفجر الآية 22
( 7 ) سورة الفجر الآية 23
( 8 ) سورة الفجر الآية 27
( 9 ) سورة غافر الآية 11