فلماذا لم يعاملهم الإسلام معاملة الكفار بل أجاز لهم البقاء على أديانهم مع ثبوت تحريفها وبطلانها ، كما أجاز لنا الزواج منهم وأكل طعامهم وهل النصارى في هذه الأيام ينطبق عليهم وصف أهل الكتاب ولهم نفس الحكم ؟ ج : أولا : أصول الدين التي جاء بها الأنبياء واحدة ، وهي دين الإسلام ، قال الله تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } ( 1 ) وأما فروعه وهي الشرائع فقد تختلف وهي التي تقبل النسخ ، قال الله تعالى { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } ( 2 ) وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد » ( 3 ) . رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم واللفظ للبخاري والذي يقع فيه النسخ إنما هو الفروع لا الأصول ، وقال الله تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } ( 4 ) { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ( 5 ) { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ( 6 ) { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } ( 7 ) ثانيا : أباح الله للمسلمين أن يأكلوا من طعام الذين أوتوا الكتاب وهو ذبائحهم بقوله في سورة المائدة : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } ( 8 ) فاشترط في الزواج بالكتابيات أن يكن حرائر عفيفات سواء كن يهوديات أو نصرانيات ، مع أن الله تعالى أخبر عن اليهود والنصارى في نفس السورة بأنهم كفار ، قال تعالى { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } ( 9 ) الآية ، وقال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 299
مساهمون: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
ص٢٩٩
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 19
( 2 ) سورة المائدة الآية 48
( 3 ) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء ( 3259 ) , صحيح مسلم الفضائل ( 2365 ) , سنن أبو داود السنة ( 4675 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 2 / 437 ) .
( 4 ) سورة البقرة الآية 130
( 5 ) سورة البقرة الآية 131
( 6 ) سورة البقرة الآية 132
( 7 ) سورة البقرة الآية 133
( 8 ) سورة المائدة الآية 5
( 9 ) سورة المائدة الآية 17