الرحمن وكمال تصريفه لعباده كما يقال فلان وقف بين يدي الملك أو في قبضة يد الملك فإن ذلك لا يقتضي مماسة ولا مداخلة وإنما يدل ظاهره على وجود شخص وملك له يدان ، ويدل ما في الكلام من إسناد على حضور شخص عند الملك وعلى تمكن الملك من تصريفه دون مماسة أو مداخلة ، وكذا القول في قوله تعالى { بِيَدِهِ الْمُلْكُ } ( 1 ) وقوله : { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } ( 2 ) وأمثال ذلك ثانيا : تقسيم أهل السنة والجماعة إلى طائفتين بهذا الشكل غير صحيح وبيانه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أمة واحدة عقيدة وسياسة حتى إذا كانت خلافة عثمان رضي الله عنه بدرت بوادر الاختلاف في السياسة دون العقيدة ، فلما قتل وبايع عليا جماعة وبايع معاوية آخرون رضي الله عنهم وكان ما بينهم من حروب سياسية خرجت عليهم طائفة فسميت الخوارج ولم يختلفوا مع المسلمين في أصول الإيمان الستة ولا في الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام وإنما اختلفوا معهم في عقد الخلافة والتكفير بكبائر الذنوب والمسح على الرجلين في الوضوء وأمثال ذلك ، ثم غلت طائفة من أصحاب علي فيه حتى عبده منهم من عبده فسموا الشيعة ، ثم افترق كل من الخوارج والشيعة فرقا ، ثم أنكر جماعة القدر ، وكان ذلك آخر عصر الصحابة رضي الله عنهم فسموا القدرية ، ثم كان الجعد بن درهم فكان أول من أنكر صفات الله وتأول ما جاء فيها من نصوص الآيات والأحاديث على غير معانيها فقتله خالد القسري ، وتبعه في إنكار ذلك وتأويله تلميذه الجهم بن صفوان واشتهر بذلك فنسبت إليه هذه المقالة الشنيعة ، وعرف من قالوا بها بالجهمية ، ثم ظهرت المعتزلة فتبعوا الجهمية في تأويل نصوص الصفات وسموه تنزيها ، وتبعوا القدرية في إنكار القدر وسموه عدلا ، وتبعوا الخوارج في الخروج على الولاة وسموه الأمر بالمعروف إلى غير ذلك من مقالاتهم ، وقد نشأ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري على مذهبهم واعتقد مبادئهم ثم هداه الله إلى الحق فتاب من الاعتزال ولزم طريق أهل السنة والجماعة ، واجتهد في الرد على من خالفهم في أصول الإسلام رحمه الله ، لكن بقيت فيه شوائب من مذهب المعتزلة كتأويل نصوص صفات الأفعال وتأثر بقول جهم بن صفوان في أفعال العباد ، فقال بالجبر وسماه كسبا ، وأمور
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 176
مساهمون: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
ص١٧٦
هامش
( 1 ) سورة الملك الآية 1
( 2 ) سورة القمر الآية 14