Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 537

Contributors:

P.537
يعضدون فإذا مررت فنادهم إن كنت مناديا ومر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم واسأل عليهم ما بقي من غناه واسأل فقيرهم ما بقي من فقره وأسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون وأسألهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان محت الألوان وأكلت اللحمان وعفرت الوجوه ومحت المحاسن وكسرت الفقار وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء وأين حجابهم وقبابهم وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم ومكنونهم والله ما فرشوا فراشا ولا وضعوا هناك متكأ ولا غرسوا لهم شجرا ولا أنزلوهم من اللحد قرارا أليسوا في منازل الخلوات والفلوات أليس الليل والنهار عليهم سواء أليس هم في مدلهمة ظلماء قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة فكم من ناعم وناعمة أصبحوا ووجوههم بالية وأجساد لهم من أعناقهم نائية وأوصالهم متمزقة وقد سألت الحدقات على الوجنات وامتلأت الأفواه دما وصديدا ودبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضاءهم ثم لم يلبثوا والله إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما قد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السعة إلى المضائق قد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم وتوزعت الورثة ديارهم وتراثهم فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناضر فيه المتنعم بلذته يأسا كن القبر غدا ما الذي غرك من الدنيا هل تعلم أنك تبقي أو تبقي لك أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد وأين ثمرتك الحاضرة ينعها وأين رقاق ثيابك وأين طيبك وأين بخورك وأين كسوتك لصيفك وشتائك أما رأيته قد نزل به الأمر فما يدفع عن نفسه دخلا وهو يرشح عرقا ويتلمظ عطشا يتقلب في سكرات الموت وغمراته جاء الأمر من السماء وجاء غالب القدر والقضاء جاء من الأمر الأجل ما لا يمتنع منه هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله يا مكفن الميت وحامله يا مخليه في القبر وراجعا عنه ليت شعري كيف كنت على خشونة الثرى ليت شعري بأي خديك تبدي البلى وأي عينيك إذن سألا يا مجاور الهلكات صرت في محل الموتى ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني به من رسالة ربي ثم تمثل تسر بما يفنى وتشغل بالمنى * كما اغتر باللذات في النوم حالم نهارك يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والردي لك لازم وتعمل شيئا سوف تكره غيه * كذلك في الدنيا تعيش البهائم ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة ومات رضي الله عنه ومن نظمنا في ذلك شاب فوداي وشب الأمل * ومضى العمر وجاء الأجل عسكر الموتى لنا منتظر * فإذا صرنا إليهم رحلوا ليت شعري ليت شعري هل دروا * إنني بعدهم مشتغل في فنون اللهو أفنى طربا * غافل عماله انتقل ولنا في هذا المعنى أيضا ضمت لنا أرامنا الآراما * فكان ذاك العيش كان مناما يا واقفين على القبور تعجبوا * من قائمين كيف صاروا نياما تحت التراب موسدين أكفهم * قد عاينوا الحسنات والإجراما لا يوقظون فيخبرون بما رأوا * لا بد من يوم تكون قياما ورأيت على قبر أبياتا وهي على لسان صاحبه أيها الناس كان لي أمل * قصر بي عن بلوغه الأجل فليتق الله ربه رجل * أمكنه في حياته العمل ما أنا وحدي نقلت حيث تروا * كل إلى مثله سينتقل ورأيت أيضا مكتوبا على قبر