Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 300

Contributors:

P.300
فنقول إنه أمر وجودي من حيث إنه يرانا كما قلنا فينا من حيث إنا ندركه فالأمر واحد فقد حرنا فينا وفيه فمن نحن ومن هو وقد قال له بعضنا أرني أنظر إليك قال لن تراني وقال عن نفسه ألم يعلم بأن الله يرى وخبره صدق وقد أعلم أن بعض العالم يعلم أن الله يرى ثم قال بآلة الاستدراك فعطف ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ثم تجلى للجبل فاندرك الجبل ولا أدري عن رؤية أو عن مقدمة رؤية لا بل عن مقدمة رؤية وصعق موسى عن تلك المقدمة فلما أفاق قال تبت أي رجعت إلى الحالة التي لم أكن سألتك فيها الرؤية وأنا أول المؤمنين أي المصدقين بقولك لن تراني فإنه ما نزل هذا القول ابتداء إلا علي فإنا أول المؤمنين به ثم يتبعني في الايمان به من سمعه إلى يوم القيامة فما ظهر لطالب الرؤية ولا للجبل لأنه لو رآه الجبل أو موسى لثبت ولم يندك ولا صعق فإنه تعالى الوجود فلا يعطي إلا الوجود لأن الخير كله بيديه والوجود هو الخير كله فلما لم يكن مرئيا أثر الصعق والاندكاك وهي أحوال فناء والفناء شبيه بالعدم والحق لا يعدم عدم العين ولكن يكون عنه العدم الإضافي وهو الذهاب والانتقال فينقلك أو يذهبك من حال إلى حال مع وجود عينك في الحالين من مكان إلى مكان مع وجود عينك في كل واحد منهما وبينهما وهو قوله إن يشأ يذهبكم ويأت بآخرين فالإتيان بصفة القدرة والذهاب بالإرادة من حيث ما هو ذهاب خاصة وهذه التفاصيل في غير مفصل لا يكون وليس من شأن المفصل الوجود فإنا نفصل المعدوم إلى محال وإلى ممكن مع كونه معدوما وبقي الكلام فيمن يفصله والكلام عليه مثل الكلام في الرائي والمرئي وقد تقدم فما ذا نقول أو ما نعول عليه فرأينا أن نترك الأمر على حاله كان ما كان إذ الأغراض حاصلة والإدراكات واقعة واللذات حاكمة والشهود دائم والنعيم به قائم ودع يكون ما يكون من عدم أو وجود أو حق أو خلق بعد أنه لا ينقصنا شئ مما نحتاج إليه لا نبالي ولو وقع الإخبار الإلهي لكان الكلام فيه والنظر على ما هو عليه الآن لا يزيد الأمر ولا ينقص فإنه إذا ورد فلا بد من سمع يتعلق به ذلك الخطاب وفهم ومدلول ومتكلم وسامع وهذا عين ما كنا فيه فترك ذلك أولى ونقول ما يقول كل قائل فإن الأمر كله عين واحدة في الحيرة في ذلك فكله صدق ما هو باطل فإنه واقع في الذهن وفي العين وفي جيع الإدراكات فالجنوح إلى السلم أولى بالإنسان فإن جنحوا للسلم يعني في الاعتبار والإشارات هذه الخواطر التي أدتك إلى النظر فيما أنت مستغن عنه فأنزلهم الحق هنا منزلة الأعداء لأهل الإشارات فإن جنحوا للسلم وهو الصلح بأن يترك الأمر على ما هو عليه ولا يخاض فيه فاتك إنما تخوض فيه لكونه آية من الله عليه وقد قال وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وليس إلا الاشتعال بما نأكل ونشرب وننكح وتتصرف فيه من الأعمال المشروعة التي تؤدي إلى السعادة الأخروية وما هذه الأمور قلنا لا ندري إنما نعمل كما أمرنا لنصل إلى ما قيل لنا فإنا ما كذبنا بل رأينا ما مضى كله حق لم يختل شئ منه كذلك ما بقي وقد جنحوا للسلم فأمرنا الله فقال لنبيه ص فاجنح لها وتوكل على الله فالعاقل يقول بالسمع والطاعة لأمر الله وهذه حالة معجلة وراحة فليس الظهور سوى ما ظهر * وليس البطون سوى ما استسر فأين الذهاب وأين الإياب * وأين القرار وأين المقر فمنا إليه ومنه إلينا * وكل بحكم القضاء والقدر فلا تبكين على فائت * فما فات شئ وما ساء سر فما ثم إلا مضاف وما * يضاف إليه فجز واعتبر وقل ما تشاء على من تشاء * فإن الوجود بهذا ظهر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ( الباطن حضرة البطون ) السر ما بطنت فيه حقيقته * والجهر يظهره لكل ذي بصر لولا البطون ولولا سر حكمته * ما فضل الله مخلوقا على البشر