Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 259

Contributors:

P.259
فيعلم عند ذلك حكمة ذلك الأمر ويعلم جهله بالمصالح وهذا كثير اتفاقه في العالم يكون الشخص يتسخط بالأمر الذي لا يوافق غرضه ولا نظره وينسب مثلا الحاكم به إلى الجور فإذا ظهرت منفعة ذلك الحكم الذي تسخطت به عاد المتسخط يحمد الله ويشكر ذلك الحكم والحاكم على ما فعل حيث دفع الله به ذلك الشر العظيم الذي لو لم يكن هذا الحكم لوقع بالمحكوم عليه ذلك الشر وهذا يجري كثيرا فغاية العارفين إنهم يعلمون بالجملة أن الظاهر في الوجود والواقع إنما هو في قبضه الحكمة الإلهية فيزول عنه التسخط والضجر ويقوم به التسليم والتفويض إلى الله في جميع الأمور كما جاء وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد هذا هو حكم الحكمة لمن عقل عن الله ومثل هذا الشخص قد استعجل النعيم فإنه يتفرح وإذا كان هذا حاله فإن الله في أغلب الأحوال يطلعه في سره على حكمه الواقع في الحال الذي لا يرضى به العباد فإنه كل ما وقع به الرضي فقد علمت حكمته فإنه يراها الراضي موافقة لغرضه وإنما يقع النزاع والجهل فيما لا يوافق الغرض ولا الترتيب الوهمي فإن العقل لا يعطي صاحبه في الواقع إلا الوقوف فإنه يدري ممن صدر وإنما الوهم الذي هو على صورة العقل له ذلك النظر المرجح وحاشا العقل أن يرجح على الله ما لم يرجحه الله وما رجح الله إلا الواقع فأوقع ما أوقع حكمة منه وأمسك ما أمسك حكمة منه وهو الحكيم العليم فالعارف عنده الحكيم بتقدم العليم والعامي يقدم العليم ثم الحكيم وقد ورد الأمران معا فالحكيم خصوص والعليم عموم ولذلك ما كل عليم حكيم وكل حكيم عليم فالحكمة الخير الكثير فهي الخير الكثير * وهي البدر المنير * تختفي وقتا وتبدو * هكذا قال الخبير فبها خفت علينا * وبها كان الظهور والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى السفر الثاني والثلاثون بانتهاء حضرة الحكمة لعبد الحكيم والحمد لله وحده ( الوداد حضرة الود ) بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم إلا إن الوداد هو الثبات * على حال يزعزعه الشتات ويجمعنا وإياه مقام * إذا تبدو على الوجه السمات بواد لا أنيس به وأرض * تزينها الأزاهر والنبات أزاهره البنون إذا تراهم * على كرسيه وكذا البنات إذا خافوا يؤمنهم صباح * وليس يخيفهم إلا البيات يدعى صاحبها عبد الودود قال الله تعالى في أصحاب هذه الحضرة يحبهم ويحبونه وقال فاتبعوني يحببكم الله وفي الحديث الصحيح إذا أحب الله عبده كان سمعه وبصره ويده ورجله وقواه ثابتة له لا تزول وإن كان أعمى أخرس فالصفة موجودة خلف حجاب العمي والخرس والطرش فهو ثابت المحبة من كونها ودا فإن هذه الصفة لها أربعة أحوال لكل حال اسم تعرف به وهي الهوى والود والحب والعشق فأول سقوطه في القلب وحصوله يسمى هوى من هوى النجم إذا سقط ثم الود وهو ثباته ثم الحب وهو صفاؤه وخلاصه من إرادته فهو مع إرادة محبوبه ثم العشق وهو التفافه بالقلب مأخوذ من العشقة اللبلابة المشوكة التي تلتف على شجرة العنبة وأمثالها فهو يلتف بقلب المحب حتى يعميه عن النظر إلى غير محبوبه تنبيه وكيف لا يحب الصانع صنعته ونحن مصنوعاته بلا شك فإنه خالقنا وخالق أرزاقنا ومصالحنا أوحى الله إلى بعض أنبيائه يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقك من أجلي فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك يا ابن آدم أنى وحقي لك محب فبحقي عليك كن لي محبا والصنعة مظهرة علم الصانع لها بالذات واقتداره وجماله وعظمته وكبرياءه فإن لم يكن فعلى من وفيمن وبمن فلا بد منا ولا بد من حبه فينا فهو بنا ونحن به كما قال ص في ثنائه على ربه فإنما نحن به وله وهذه حضرة العطف والديمومة