Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 234

Contributors:

P.234
ولا عبثا ولا يستعمله إلا عبد السميع وعبد البصير بل له دخول في كل اسم إلهي لكل عبد مضاف إلى ذلك الاسم مثل عبد الرؤوف فإنه يرأف بعباد الله وجاء الميزان في إقامة الحدود فأزال حكم الرأفة من المؤمن فإن رأف في إقامة الحد فليس بمؤمن ولا استعمل الميزان وكان من الذين يخسرون الميزان فيتوجه عليه بهذه الرأفة اللؤم حيث عدل بها عن ميزانها فإن الله يقول ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله وهو الرؤوف تعالى ومع علمنا بأنه الرؤوف شرع الحدود وأمر بإقامتها وعذب قوما بأنواع العذاب الأدنى والأكبر فعلمنا إن للرأفة موطنا لا نتعداه وأن الله يحكم بها حيث يكون وزنها فإن الله ينزل كل شئ منزلته ولا يتعدى به حقيقته كما هو في نفسه فإن الذي يتعدى حدود الله هو المتعدي لا الحدود فإن الحدود لا تتعدى محدودها فيتجاوزها هذا المخذول ويقف عندها العبد المعتنى به المنصور على عدوه فعبد البصير إما أن يعبد الله كأنه يراه وهذه عبادة المشبهة وإما أن يعبد الله لعلمه بأن الله يراه فهذه عبادة المنزهة وإما أن يعبد الله بالله فهذه عبادة العلماء بالله فيقولون بالتنزيه ويشهدون التشبيه لا يؤمنون به فإنه ليس عندهم ذلك خبرا وإنما هو عيان والايمان بابه الخبر فالمحجوب يؤمن بقول المخبر وصاحب الشهود يرى صدق المحبر فكثير ما بين يرى ويؤمن فإن صاحب الرؤية لا يرجع بالنسخ إلا رجوع الناسخ وصاحب الايمان يرجع بالنسخ ويعتقد في المرجوع عنه أنه كفر بعد الرجوع عنه وإن كان مؤمنا به ولكن يؤمن به إنه كان لا يؤمن به إنه كائن لأنه منسوخ فإذا علم الله من العبد أنه يعلم أنه يراه يمهله فيما يجب بفعله المؤاخذة لأنه علم أنه يعلم أنه يراه فيتربص به ليرجع لأنه تحت سلطان علمه وإن انحجب عن استعماله في الوقت لجريان القدر عليه بالمقدور الذي لا كينونة له إلا فيه وإن الله يستحيي من عبده فيما لا يستحيي العبد فيه وذلك إذا علم من العبد أنه يعلم ممن الله أن بيده ملكوت كل شئ فيقول الحق ما أعلمته بذلك ورزقته الايمان به إن كان من المؤمنين أو أشهدته ذلك إن كان من أهل الشهود إلا ليكون له ذلك مستندا يستند إليه في إقامة الحجة فكون العبد قد أشهد ذلك أو آمن به ولم يحتج به فما منعه من ذلك إلا الحياء فيما لم يستحيي فيه فإن الله يستحيي منه أن يؤاخذه بعلمه الذي ما استحيى منه فيه واعلم أن هذه الحضرة أعطت أن يكون للعبد عينان وللحق أعين فقيل في المخلوق ألم نجعل له عينين وقال تعالى عن نفسه تجري بأعيننا فمن عينيه كان ذا بصر وبصيرة ومن أعينه كانت أعين الخلق عينه فهم لا يبصرون إلا به وإن لم يعلموا ذلك والعالمون الذين يعلمون ذلك يعطيهم الأدب أن يغضوا أبصارهم فيتصفوا بالنقص فإن الغض نقص من الإدراك وقوله ألم يعلم بأن الله يرى إرسال مطلق في الرؤية لا غض فيه فإن لم يغضوا مع علمهم فيعلم عند ذلك أنهم مع شهود المقدور الذي لا بد من كونه فهم يرونه كما يراه الله من حيث وقوعه لا من حيث الحكم عليه بأنه كذا هكذا يراه العلماء بالله فيأتون به على بصيرة وبينة في وقته وعلى صورته ويرتفع عنهم الحكم فيه فإنه من الشهود الأخروي الذي فوق الميزان ولذلك لا يقدح فيهم لأنه خارج عن الوزن في هذا الموطن وهو قوله في حق رسول الله ص عفا الله عنك لم أذنت لهم وليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فهو سؤال عن العلة لا سؤال توبيخ لأن العفو تقدمه وقوله حتى يتبين لك إنما هو استفهام مثل قوله أنت قلت للناس كأنه يقول أفعلت ذلك حتى يتبين لك الذين صدقوا فهو عند ذلك إما أن يقول نعم أو لا فإن العفو ولا سيما إذا تقدم والتوبيخ لا يجتمعان لأنه من وبخ فما عفا مطلقا فإن التوبيخ مؤاخذة وهو قد عفا ولما كان هذا اللفظ قد يفهم منه في اللسان التوبيخ لهذا جاء بالعفو ابتداء ليتنبه العالم بالله أنه ما أراد التوبيخ الذي يظنه من لا علم له بالحقائق وقال في هذه المرتبة في حق المؤمن العالم اعمل ما شئت فقد غفرت لك أي أزلت عنك خطاب التحجير يا محمد فاسترسل مطلقا فإن الله لا يبيح الفحشاء وهي محكوم عليها فحشاء تلك الأعمال فزال الحكم وبقي عين العمل فما هو ذنب يستر عن عقوبته وإنما الستر الواقع إنما هو بين هذا العمل وبين الحكم عليه بأنه محجور خاصة هذا معنى قد غفرت لك لا ما يفهمه من لا علم له فيمشي هذا الشخص في الدنيا ولا خطيئة عليه بل قد عجل الله له جنته في الدنيا فهو في حياته الدنيا كالمقتول في سبيل الله