Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 233

Contributors:

P.233
في المرآة نفسه فيحكم بالصورتين صورته وصورة ما شفعها فلذلك ما أتى الحق في الإخبار عن كينونته معنا إلا مشفعا لفرديتنا فجعل نفسه رابعا وسادسا وأدنى من ذلك وهو أن يكون ثانيا وأكثر وهو ما فوق الستة من العدد الزوج أعلاما منه تعالى أنه على صورة العالم أو العالم على صورته وما ذكر في هذه الكينونة إلا كونه سميعا من كون من هو معهم يتناجون لا من كونهم غير متناجين فإذا سمعت الحق يقول أمرا ما فما يريد الأعيان وإنما يريد ما هم فيه من الأحوال إما قولا وإما غير قول من بقية الأعمال إذ لا فائدة في قصد الأعيان لعينهم وإنما الفائدة إحصاء ما يكون من هذه الأعيان من الأحوال فعنها يسألون وبها يطلبون فيقال له ما أردت بهذه الكلمة ولذلك ورد في الخبر الصحيح أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب بها في عليين وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب بها في سجين فاعلم عباده أن للمتكلم مراتب يعلمها السامع إذا رمى بها العبد من فمه لم تقع إلا في مرتبتها وإن المتلفظ بها يتبعها في عاقبة الأمر ليقرأ كتابه حيث كان ذلك الكتاب فعبد السميع هو الذي يتحفظ في نطقه لعلمه بمن يسمعه وعلمه بمراتب القول فإن من القول ما هو هجر ومنه ما هو حسن وإذا كان هو السامع فينظر في خطاب الحق إياه أما في الخطاب العام وهو كل كلام يدركه سمعه من كل متكلم في العالم فيجعل نفسه المخاطب بذلك الكلام ويبرز له سمعا من ذاته يسمعه به فيعمل بمقتضاه وهذا من صفات الكمل من الرجال ودون هذه المرتبة من لا يسمع كلام الحق إلا من خبر إلهي على لسان الرسول أو من كتاب منزل وصحيفة أو من رؤيا يرى الحق فيها يخاطبه فأي الرجلين كان فلا بد أن يهيئ ذاته للعمل بمقتضى ما سمع من الحق كما فعل الحق معه فيما يتكلم به العبد في نجواه نفسه أو غيره فإن الإنسان قد يحدث نفسه كما قال أو ما حدثت به أنفسها وهو تنبيه إن المتكلم إذا لم يكن ثم من يسمعه لا يلزم من ذلك أنه لا يتكلم فأخبر إن نفسه تسمع وهو متكلم فيحدث نفسه فيما هو متكلم يقول وبما هو ذو سمع يسمع ما يقول فعلمنا إن الحق ولا عالم يكلم نفسه وكل من كلم غيره فقد كلم نفسه وليس في كلام الشئ نفسه صمم أصلا فإنه لا يكلم نفسه إلا بما يفهمه منها بخلاف كلام الغير إياه فلا يقال فيمن يكلم نفسه أنه ما يفهم كلامه كيف لا يفهمه وهو مقصود له دون قول آخر فما عينه حتى علمه وما له تعيين كلام غيره وكذلك قد يكون ذا صمم عنه إذا لم يفهمه لأنه لا فرق بين الصمم الذي لا يسمع كلام المخاطب وبين من يسمع ولا يفهم أو لا يجيب إذا اقتضى الإجابة ولهذا قال الله فيهم إنهم صم فلا يعقلون ومن عقل فالمطلوب منه فيما أسمعه أن يرجع فلا يرجع فمن تحقق بهذه الحضرة وعلم إن كلامه من عمله وإن الله عند لسانه في قوله قل كلامه حتى في نفسه به والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ( حضرة البصر ) إن البصير الذي يراكا * علما وعينا إذا تراه فكن به لا تكن بكون * ولا تشاهد فيه سواه فإنه قوله مجيبا * بنا يرانا به نراه يدعى صاحبها عبد البصير ومن هذه الحضرة الرؤية والمشاهدة فلا بد من مبصر ومشهود ومرئي قال الله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وقال ألم يعلم بأن الله يرى وقال وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وقال ص ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب يريد بذلك ارتفاع الشك في أنه هو المرئي تعالى لا غيره فيلزم عبد البصير الحياء من الله في جميع حركاته وإنما لزمه الحياء لوجود التكليف فعبد البصير لا يبرح ميزان الشرع من يده يزن به الحركات قبل وقوعها فإن كانت مرضية عند الله ودخلت في ميزان الرضي اتصف بها هذا الشخص وإن لم تدخل له في ميزان الرضي وحكم عليها الميزان بأنها حركة بعد عن محل السعادة وإنها سوء أدب مع الله حمى نفسه عبد البصير أن يظهر منه هذه الحركة فعبد البصير يخفض الميزان ويرفعه صفة حق فإن الله ما وضع الميزان إلا ليوزن به وهو مما بين السماء والأرض فما خلقه باطلا