Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 113

Contributors:

P.113
بد من إضافة العمل إلينا فإن الله أضاف الأعمال إلينا وعين لنا محالها وأمكنتها وأزمنتها وأحوالها وأمرنا بها وجوبا وندبا وتخييرا كما أنه نهانا عز وجل عن أعمال معينة عين لنا محالها وأماكنها وأزمانها وأحوالها تحريما وتنزيها وجعل لذلك كله جزاء بحساب وبغير حساب من أمور ملذة وأمور مؤلمة دنيا وآخرة وخلقنا وخلق فينا من يطلب الجزاء الملذ وينفر بالطبع عن الجزاء المؤلم وجعل لي وعلي حقا في رعيتي إذ خلق لي نفسا ناطقة مدبرة عاقلة مفكرة مستعدة لقبول جميع ما كلفها به وهي محل خطابه المقصودة بتكليفه وامتثال أوامره ونواهيه والوقوف عند حدوده ومراسمه حيث حد لها ورسم في حق الحق وحق نفسه وحق غيره فيطلبه أصحاب الحقوق بحقوقهم نطقا وحالا ظاهرا وباطنا فيطلبه السمع بحقه والبصر واللسان واليدان والبطن والفرج والقدمان والقلب والعقل والفكر والنفس النباتية والحيوانية والغصبية والشهوانية والحرص والأمل والخوف والرجاء والإسلام والايمان والإحسان وأمثال هؤلاء من عالمه المتصل به وأمره الحق أن لا يغفل عن أحد من هؤلاء أولا ويصرفهم في المواطن التي عين له الحق وجعل هذه القوي كلها متوجهة على هذه النفس الناطقة بطلب حقوقها وجعلها كلها ناطقة بتسبيح الله تعالى جعلا ذاتيا لا تنفك عنه وجعل هذه الحقوق التي توجهت لها على النفس الناطقة الحاكمة على الجماعة ثابتة الحق جزاء لما هي عليه من تسبيح الله بحمده دنيا وآخرة وما منهم من يخالف أمر الله اختيارا وإنه إذا وقعت المخالفة منهم فجبرا يجبرهم على ذلك الوالي عليهم الذي أمروا بالسمع والطاعة له فإن جار فلهم وعليه وإن عدل فلهم وله ولم يعط الله هؤلاء الرعايا الذين ذكرناهم المتصلين به قوة الامتناع مما يجبرهم على فعله بخلاف ما خرج عنهم ممن له أمر فيهم ثم إن الله نعت لهم الجزاء الحسي وأشهدهم إياه في الحياة الدنيا بضرب مثال من نعيم الحياة الدنيا وبالوعد بذلك في الآخرة ومنهم من أشهده ذلك في الأخرى وهو في الحياة الدنيا مشاهدة عين فرأى ما وقع له برؤيته من الالتذاذ ما لا يقدر قدره وما التذ به إلا من يطلب ذلك من رعيته فأخذ يسأله حقه من ذلك وأن لا يمنعه وفي مثل هذا فليتنافس المتنافسون وأي نفاسة أعظم من هذا فالعارف المكمل المعرفة يعلم أن فيه من يطلب مشاهدة ربه ومعرفته الفكرية والشهودية فتعين عليه إن يؤدي إليهم حقهم من ذلك وعلم أن فيه من يطلب المأكل الشهي الذي يلائم مزاجه والمشرب والمنكح والمركب والملبس والسماع والنعيم الحسي المحسوس فتعين عليه أيضا أن يؤدي إليهم حقوقهم من ذلك التي عين لهم الحق ومن كان هذا حاله كيف يصح له أن يزهد في شئ من الموجودات وما خلقها الله إلا له إلا أنه مفتقر إلى علم ما هو له وما هو لغيره لئلا يقول كل شئ هو له فلا ينظر من الوجوه الحسان إلا ما يعلم أنه له وما يعلم أنه لغيره يكف بصره ويغضه عنه فإنه محجور عليه ما هو لغيره فهذا حظه من الورع والاجتناب والزهد إنما متعلقة الأولوية بخلاف الورع وكل ترك فأما الأولوية فينظر في الموطن ويعمل بمقتضاه ومقتضاه قد عينه له الحق بما أعلمه به بلسان الشارع فسموا من طريق الأخذ بالأولوية زهادا حيث أخذوا بها فإن لهم تناول ذلك في الحياة الدنيا فما فعلوا لأن الله خيرهم فما أوجبه عليهم ولا ندبهم إليه ولا حجر عليهم ولا كرهه فاعلم ذلك ثم إنه ينظر في هذا المخير فيه فلا يخلو حاله في تناوله أن يحول بينه هذا التناول وبين المقام إلا على الذي رجحه له أو لا يحول فإن حال بينه وبينه تعين عليه بحكم العقل الصحيح السليم تركه والزهد فيه وإن كان على بينة من ربه إن ذلك لا يقدح ولا يحول بينه وبين المرتبة العلياء من ذلك فلا فائدة لتركه كما قال لنبيه سليمان ع هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ولا تكون ممن تلبس عليه الأمور فيتحيل أنه بزهده فيما هو حق لشخص ما من رعيته ينال حظ ما يطلبه به منه شخص آخر من رعيته فإن ذلك عين الجهل فإن تلك الحقيقة تقول له ما هذا عين الحق لي فالأولى بالعبد الذي كلفه الله تدبير نفسه وولاة أن يعلم فإذا علم استعمله علمه حتى يكون بحكم علمه ولا يستعمل هو العلم فإنه إن استعمل علمه كان علمه بحكمه فوقتا يعمل به ووقتا يتركه أي يترك العمل به وما عمل الترك إلا بالعلم وإذا كان العلم يستعمله ويصرفه ويكون هو معمولا مستعملا للعلم حكم عليه جبرا على الصواب فوفى الحقوق أربابها ومثل هذا الإمام في العالم قليل ولذلك يقول ليس السخي من تسخى بماله وإنما السخي من تسخى بنفسه على العلم فكان تحت سلطان علمه هذا