باب
القول في ماهية الاستحسان وبيان وجوهه
قال أبو بكر : لفظ الاستحسان يكتنفه معنيان .
أحدهما : استعمال الاجتهاد وغلبة الرأي في إثبات المقادير الموكولة إلى اجتهادنا وآرائنا ،
نحو تقدير متعة المطلقات . قال الله تعالى : " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره
متاعا بالمعروف حقا على المحسنين " ، فأوجبها على مقدار يسار الرجل وإعساره ، ومقدارها
غير معلوم إلا من جهة أغلب الرأي وأكبر الظن .
ونظيرها أيضا : نفقات الزوجات قال الله تعالى : " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن
بالمعروف ، ولا سبيل إلى إثبات المعروف من ذلك إلا من طريق الاجتهاد .
وقال تعالى : " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل
منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " .
ثم لا يخلوا المثل المراد بالآية من أن يكون القيمة أو النظير من النعم على حسب اختلاف
الفقهاء ( فيه ) ، وأيهما كان فهو موكول إلى اجتهاد العدلين ، وكذلك أروش الجنايات التي
لم يرد في مقاديرها نص ، ولا اتفاق ، ولا تعرف إلا من طريق الاجتهاد .
وقال الله تعالى : " ممن ترضون من الشهداء " ، وقال تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل
منكم " وتعديلهما والحكم بتزكيتهما غير ممكن إلا من طريق الاجتهاد .
الفصول في الأصول — صفحة 233
مساهمون: الجصاص
ص٢٣٣