لأنه لم يثبت حظره ، إذ كان الله تعالى قد أباح النكاح على الإطلاق بقوله تعالى :
( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) ( 1 ) فمن ادعى حظر شئ منه ، ( 2 ) وإخراجه من
العموم ، احتاج إلى دلالة ، وإلا فأنا معتصم بالظاهر ، ولا يجوز أن يقول : لأنه لم يثبت
حظره ، ويقتصر ( 3 ) عليه ، لأن خصمه يقول ( له ) ( 4 ) : فدل على إباحته . فتساويا جميعا فيه ،
ويحتاج المسؤول حينئذ إلى إقامة الدلالة عليه .
فهذا وما أشبهه مما يصح للقائل فيه بالنفي أو الإثبات أن يقول : إنه لم يثبت فساده ،
أو لأنه ثبتت صحته إذا علقه بأصل يقتضي ذلك ، على ما بينا ، ويكون الأصل الذي بناه
عليه ، هو دلالته على نفي ما نفاه ، وإثبات ما أثبته . ( 5 )
( و ) من رام الخروج عن ذلك الأصل ، احتاج إلى دلالة في خروجه عنه ، ومن
اعتصم بالأصل لا يحتاج إلى دلالة أكثر من تعلقه به .
قال أبو بكر : ومما يضاهي هذا المعنى وإن لم يكن هو بعينه : إثبات المقادير التي لا
سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس والاجتهاد ، وإنما طريق إثباتها التوقيف والاتفاق ،
فجائز عند وقوع الخلاف لمن أثبت مقدارا قد دخل في اتفاق الجميع ، أن يقول : أثبتنا هذا
القدر بالاتفاق ، ولم تقم الدلائل ( 6 ) على إثبات ما سواه مما اختلفوا فيه ، إذا لم يجد فيه توقيفا ،
ولا اتفاقا ، ولا سبيل إلى إثباته من طريق القياس والرأي .
نظير ذلك : أنا إذا قلنا : إن أقل الحيض ثلاثة أيام ، وأكثره عشرة . ( فقيل لنا لم قلتم
إنه لا يكون أقل من ثلاثة ، ولا أكثر من عشرة ؟ ) ( 7 ) جاز لنا أن نعتصم فيه بموضع الاتفاق ،
على أن هذين المقدارين يكونان حيضا .
الفصول في الأصول — صفحة 391
مساهمون: الجصاص
ص٣٩١